كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/09 · روح الثعلب تردّ الجميل — الفصل 3
الفصل السابق

09 · روح الثعلب تردّ الجميل — الفصل 3

ما وراء الليل

الفصل التالي

كان ذلك في ليلة خريفية بعد عيد منتصف الخريف بأيام. ظل القمر بدراً أبيض معلقاً فوق شجرة الأكاسيا العتيقة في الفناء. كانت أقدم من تونغ دا جيانغ، جذعها أعرض من أن يطوقه رجلان، وتاجها كمظلة عظيمة يغطي نصف الفناء. تسلل ضوء القمر بين الأوراق إلى ورق النوافذ، أزرق شاحباً كطبقة رقيقة من الصقيع.

لم ينم تونغ دا جيانغ. جلس في الغرفة الرئيسية من غير مصباح؛ فالقمر يكفيه ليعرف ملامح مائدة «الآلهة الثمانية» والكراسي والمقاعد والبندقية المعلقة. وكان يعرف موضع كل شيء حتى لو أغلق عينيه. أمسك غليونه المحشو بالتبغ لكنه لم يدخن؛ صار رأسه النحاسي بارداً وتلاشى دخانه منذ زمن.

نام نيان تسو في الغرفة الشرقية، وكان الشيخ يسمع نَفَسه المنتظم: شهيق وزفير، إيقاع طفل في الخامسة. لم يعد شياو لين وتشون فانغ في ذلك اليوم؛ ذهبا إلى عرس قريب من أهل تشون فانغ في البلدة وتركا الصغير عند جده. في الأعوام السابقة كان يغضب: «أجعلتموني دار حضانة؟» أما هذه الليلة فلم يغضب. كان في قلبه إحساس غامض بأن شيئاً لا مفر منه سيقع.

مضى وقت لا يعرف مقداره، وتحرك القمر عن النافذة حتى أظلمت الغرفة كأن يداً أطفأت مصباحاً خفياً. عندئذ سمع وقع أقدام حافية على الطين: طَف، طَف، طَف. خرج الصوت ببطء من الغرفة الشرقية، عبر الباب الأوسط إلى الغرفة الرئيسية، ثم توقف أمامه.

انقشع السحاب فعاد الضوء، وتسرّب من النافذة كالزئبق، سال على الأرض والمائدة وعلى الشخص الواقف قبالته. كان نيان تسو، لكنه لم يكن نيان تسو: القامة والوجه والثوب القطني والقدمان الحافيتان ذاتها، وأصابع القدمين منكمشة قليلاً. أما العينان فلا. لم تعودا كهرمانيتين دافئتين، بل خضراوين متوهجتين في الظلام، لا تعكسان ضوء القمر بل تصدران نوراً من ذاتيهما كزمردتين.

وكانت نظرته لا تخص طفلاً في الخامسة، ولا إنساناً في أي عمر؛ نظرة شيء قديم عميق عاش أعواماً لا تحصى، لا عجلة فيه ولا اضطراب، وفيه أحداث وسنون كثيرة. لم يتحرك تونغ دا جيانغ ولم ينطق. تبلل رأس الغليون بعرق كفه.

ظل الطفل يحدّق فيه طويلاً ثم قال بصوت نيان تسو الرقيق، لكن بنبرة هادئة لا تنتمي إلى طفل: «يا جدي.» لم يجب الشيخ. قال الطفل: «أما زلت تذكرني؟»

صمت تونغ دا جيانغ زمناً طويلاً، قد يكون زمن غليون أو وجبة، وربما أطول. ثم أجاب بصوت يابس: «أذكر.»

أومأ الطفل، وجلس أمامه على المقعد الصغير الذي يجلس عليه نيان تسو عادة. بقيت ساقاه معلقتين لا تبلغان الأرض، لكن ظهره مستقيم وكتفاه ثابتان كهيئة رجل بالغ.

قال: «في ذلك اليوم لم أرد أذيتك. أردت فقط أن أستعير منك كلمة لأتابع الزهد. لو قلتَ: “تشبه الإنسان”، نلتُ هيئة الإنسان. لكنك تبقى أنت وأنا أبقى أنا؛ لن آخذ ذرة من حظك ولا من عمرك ولا من شيء لك. أنت تعينني، وأنا أعينك.»

قال تونغ دا جيانغ أخيراً: «بماذا أعنتني؟»

رقت الخضرة في عيني الطفل تحت ضوء القمر، وظهر فيهما دفء. قال: «في السنة التي رحلت فيها زوجتك، جلست ليلة كاملة على الجبل تحت صنوبرة قديمة في الثلج تبكي. كنت بجانبك. أتذكر أرنباً برياً كبيراً سميناً اصطدته في ذلك الشتاء؟ كنت جائعاً يومين، لا لأن الطعام نفد، بل لأن قلبك الفارغ كان أقسى من الجوع والبرد. أنا طردت ذلك الأرنب من غابة الصنوبر ومنحدر الجبل حتى دفعته عمداً إلى فوهة بندقيتك.»

انزلق الغليون من يد الشيخ وسقط على الأرض الطينية، ولم يلتقطه. قال مرتجفاً: «ماذا قلت؟»

«الأرنب جلبته لك. رأيت زوجتك ترحل ورأيتك وحيداً على الجبل. عرفت أنك إن لم تأكل فلن تقف ثانية. ولم أكن أعرف كيف أفعل غير هذا.»

غامت عينا الشيخ. تذكر الثلج والصنوبرة ووحدته، وكيف ظن أنه سيلحق بزوجته، ثم قفز الأرنب من حيث لا يدري فأطلق عليه النار بالغريزة. كان ذلك الأرنب قد أنقذ حياته، وظل أكثر من عشرين عاماً يظنه حظاً عابراً.

تابع الطفل: «وأول عمل كبير تلقاه ابنك شياو لين في المحافظة. صاحب شركة التشطيب لم يرد استخدامه لأنه بلا مؤهلات. أنا جعلته يغيّر رأيه.»

سأل الشيخ: «كيف؟»

«كان الرجل يؤمن بالقدر. جعلته يحلم بمن يقول له: استخدم صاحب لقب تونغ، استخدم صاحب لقب تونغ. فصدّق، واتصل بشياو لين في صباح اليوم التالي.»

ولم يعرف تونغ دا جيانغ ما يقول. فقال الطفل: «وفي المرة التي كنت تقطع فيها الحطب وتدحرجت من المنحدر الشديد؛ كانت في أسفله صخرة حادة، ولو ارتطمت بها لمت. وقفت أمامك فارتطمت بالصنوبرة، وبقيت الندبة في ساقك ونجت حياتك.» مس الشيخ ندبته في ربلة ساقه اليمنى؛ مضى عليها عشرون عاماً وما زالت بارزة. كان يظن أن الصنوبرة وحظه أنقذاه.

«وحين أعدت بناء البيت نفد مالك وقال البنّاء إن أجرته ناقصة مئتي يوان. في اليوم التالي وجدت في الطريق أمام الباب منديلًا بداخله مئتا يوان. طرقت كل البيوت تسأل عن صاحبه، فلم يعترف أحد، فحسبته مالاً هبط من السماء.»

قال الشيخ: «أكان منك؟»

«وضعته في وسط الطريق الذي تمر به. أنت لا تنحني لتلتقط شيئاً من الأرض، لكن المنديل أحمر بارز فوق الطريق الترابي، فلا بد أن تراه.»

صمت تونغ دا جيانغ. لم يؤمن طوال حياته بالقدر ولا بطلب العون من الآلهة؛ اعتمد على نفسه. لكن حوادث حظه في أكثر من عشرين سنة انتظمت الآن كخرزات في سلك واحد، وكل خرزة متصلة بشيء لا يراه ظل ملازماً له.

سأل بصوت أجش أكثر من أي وقت: «منذ متى وأنت تتبعني؟»

قال الطفل: «ثلاثة وعشرين عاماً، منذ كنت في التاسعة والأربعين. في خريف ذلك العام كسرت المصيدة في الجبل وأطلقتني.»

نظر الشيخ إلى العينين الخضراوين، فرأى فيهما نفسه قبل ثلاثة وعشرين عاماً: ابن عرس أصفر علق فخٌّ بساقه، ويداً خشنة تفك الفخ. هرب الحيوان، ثم بعد عشر خطوات التفت ونظر إليه مرة واحدة. نظرة واحدة بقيت ثلاثة وعشرين عاماً.

قال الطفل: «أطلقتني فتبعتك. أردت في الأصل أن أرد الجميل، أن أحرسك في الجبل من حيث لا تعرف، أساعدك ثم أرحل. لكن كلما طال الزمن، صعب الرحيل. أنت رجل طيب يا تونغ دا جيانغ. لسانك قاسٍ وقلبك لين. لم تبك زوجتك أمام الناس؛ أغلقت الباب وبكيتها في الجبل. ولم تكن تقول إنك تشتاق إلى ابنك حين يبتعد؛ تجلس على العتبة تنظر بعيداً وتنتظر. سنة بعد سنة، في الجبل والحقل والبيت، وحيداً. كنت أراك، وكان ذلك يثقل قلبي.»

قال الشيخ: «إذن طلبت الاعتراف لا لأجل الزهد؟»

قال الطفل: «لم يكن بلوغاً لعنق طريق في الممارسة. أردت فقط أن أقف أمامك إنساناً وأقول لك: شكراً.» وترقرق في عينيه ضوء، لا بكاء بل لمعان. «ثلاثة وعشرون عاماً ولم أقلها. كنت مديناً لك بها.»

أدار تونغ دا جيانغ وجهه نحو البندقية الصدئة على الحائط، وكانت فوهتها إلى الركن كأنها تعترف بالخطأ. سأله: «أفليس طلب الاعتراف لأجل الزهد؟»

أجاب الطفل: «متى يعجز المرء عن الزهد؟ بعد عشر سنوات أو عشرين أو مئة، سيأتي يوم. لكن أيامك لم تعد كثيرة. خفت أن أنتظر فلا ألحق بك، فلا أنطق بهذه الكلمة أبداً.»

ثم قال الطفل، وقد دخل الحزن إلى صوته: «حين أطلقت النار عليّ، حزنت كثيراً.»

التقط تونغ دا جيانغ غليونه بيد ترتجف؛ فشل مرتين قبل أن يمسكه، وكان قد اتسخ بالطين فلم يمسحه. قال الطفل: «في الجبل كنت قد جعلتك من أهلي، لا من المحسنين إليّ. يوم الثلج كنت أرتجف من الخوف: خفت ألا توافق، أن تطردني، أن تراني شيئاً مؤذياً. لذلك استعجلت وقلت: أنت تعينني وأنا أعينك. كنت كطفل أخطأ ويحاول الشرح، وكلما شرح زاد الأمر سوءاً.»

خفض نظره إلى يديه الصغيرتين على ركبتيه: «ولم أهرب من الرصاصة. عرفت أنك ستطلقها؛ لم تكن تصوّب، بل كنت خائفاً، والإنسان حين يخاف يضرب أولاً. تعلمت في الجبل أن أقرأ الأيدي، أن أرى ارتجافها وخوفها. لم أهرب، لا لأنني لا أستطيع، بل لأنني فكرت: إن قتلتني فليكن. أكون قد رددت الجميل، فلا أدين لك ولا تدين لي.»

قال تونغ دا جيانغ بنبرة غضب، لم تكن عليه بل على نفسه: «لكنّك لم تمت.»

قال الطفل: «لم أمت؛ بندقية الصيد لا تقتلني. لكن الرصاصة برّدت قلبي. ثلاثة وعشرون عاماً ظننت أني أفهمك، وأنك ستصدقني، وأنك سترى أن لا جشع في عيني ولا شر، بل أمل واحد أن أقول لك كلمة.»

سأله الشيخ: «فلماذا عدت إلى نيان تسو؟»

نهض الطفل وخطا إليه ورفع وجهه: «لأن أيامك تقل. لم أرد أن ترحل وأنت لا تعرف أن أحداً ظل قربك ثلاثة وعشرين عاماً، يذكر فضلك ويريد أن يقول لك: شكراً. هاتان الكلمتان وحدهما لم تدعاني أرحل مطمئناً، فعُدت مستعيراً لسان حفيدك لأقولهما.»

قبض الشيخ يده فوق ركبته حتى ابيضت مفاصله. لم يتكلم، لكن عينيه احمرّتا؛ كان في حلقه كلام مكتوم منذ عشر سنين. قال بصوت متحشرج: «تلك الرصاصة… ظلمتك بها.»

هز الطفل رأسه: «لا تقل شيئاً. أعرف أنك لست شريراً؛ كنت خائفاً، والخوف يجعل الناس يفعلون ذلك. رأيت كثيراً في الجبل، ولا ألومك. أردت تلك الكلمة فقط. انتظرت عشر سنين، ولن يضرني أن أنتظر هذه اللحظة.»

حدّق تونغ دا جيانغ في عينيه طويلاً؛ حتى انتقل القمر من جانب النافذة إلى الآخر، وهبّت الريح من الجبل البعيد، وثقل هواء الغرفة كالعسل، كأنه جمّد الزمن وثلاثة وعشرين عاماً وكل ما عرفته الغرفة من فرح وغضب وحزن. ثم فتح الشيخ فمه، يضغط كل حرف في حلقه ليخرجه.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.