سأل تونغ دا جيانغ: «ماذا تريد؟» وقف الطفل أمامه رافعاً رأسه، وعيناه الخضراوان تحت القمر كبحيرتين خريفيتين، ساكنتين عميقتين.
قال: «كلمة واحدة. تأخرت عشر سنين، لكنني ما زلت أريد سماعها.»
تحركت حنجرة الشيخ. كان فيها شيء سدّها عشر سنوات وبدأ الآن يلين. لكنه تذكر زوجته وكلامها، وابنه شياو لين، والأيام الطيبة التي سُلبت قبل أن يراها، والبندقية، ويوم الثلج، وعبارة «أنت لا تشبه شيئاً»، ونفسه وهو يطلق النار، وابن عرس أصفر جريحاً يلتفت إليه في الجبل.
أدار وجهه إلى البندقية المكسوة بالصدأ. لم يكن الصدأ على السلاح وحده، بل في قلبه الذي صدئ عشر سنين. قال مرتجفاً: «يقول الكبار إن كلام طلب الاعتراف لا يقال اعتباطاً. من قاله يُستعار حظّه، فيؤذي أسرته وابنه وحفيده.»
ظل الطفل ينظر إليه طويلاً، ثم ناداه باسمه لا بقول «يا جدي»: «تونغ دا جيانغ. عشت عمرك تؤمن بما أخبرك به الآخرون. هل آمنت بنفسك يوماً؟ طلب الاعتراف قد يكون استعارة للحظ، لكن حين يأتي محمولاً على رابطة سبب وفضل فهو غير ذلك. تبعتك ثلاثة وعشرين عاماً؛ لو أردت إيذاءك، كم من فرصة كانت لي؟ كنت وحدك في الجبل والبيت، وحين تنام. هل آذيتك قط؟»
لم يجد الشيخ جواباً. قال الطفل: «لا أطلب الكلمة لأخذ ما بقي من عمرك. أطلبها لأنني وقفت مرة في الثلج ولم تمنحني إياها؛ بقيت عالقة في قلبي، وفي قلبك أيضاً.»
جلس تونغ دا جيانغ تحت القمر، وكل تجعيدة في وجهه مضاءة. تذكر زوجته وابنه وشجرة الأكاسيا القديمة في الفناء، ووقع الأقدام التي سهرت قرب قن الدجاج ليالي لا تحصى. وتذكر غروباً قبل عشر سنين: كان النهار يوشك أن يظلم والثلج ينزل، وفي وسط الطريق وقف ابن عرس أصفر على قائمتيه وضم كفيه تحية. لم يكن في عينيه جشع ولا حساب ولا شر يريد امتصاص حظه؛ كان فيهما خوف وتوتر ورجاء دام ثلاثة وعشرين عاماً، رجاء أن يسمع حرفاً واحداً، كلمة «يشبه».
قال تونغ دا جيانغ: «أنت تشبه الإنسان.»
ثلاث كلمات خرجت من حنجرته واحدة بعد أخرى، كأنه يخشى أن يتراجع، أو كأنه كتمها عشر سنين حتى قاربت أن تفسد، ثم قالها أخيراً.
وفي اللحظة التي سقطت فيها الكلمات لم يكن الفجر قد أتى ولا يزال القمر مضيئاً، وكل شيء في الغرفة كما هو؛ لكن الهواء لم يعد هو الهواء. شيء ظل خفياً ضاغطاً على قلب تونغ دا جيانغ وعلى ابن عرس الأصفر طوال السنين انحلّ فجأة وخفّ. خفّ الرجل، وخفّت الغرفة، وخفّ ضوء القمر، حتى بدا صدأ البندقية على الحائط أخف.
أغمض الطفل عينيه وأخذ نفساً عميقاً، كأنه يزفر ثقل ثلاثة وعشرين عاماً. وحين فتحهما كانتا سوداويْن؛ لا سواد عيني نيان تسو ولا سواد أي طفل، بل سواد إنسان عميق كالليل وفيه نور. اختفى التوهج الأخضر والكهرماني، وبقيت عينان بشريتان عاديتان صافيتان، كنبع الجبل أو كولادة جديدة.
ظل الاثنان يتبادلان النظر طويلاً، حتى ابيضّ الشرق، وصاح أول ديك في القرية، وخفتت النجوم واحدة واحدة. ثم ابتسم الطفل؛ أو لعلها لم تكن ابتسامة فحسب، بل وجه من أنجز أخيراً الأمر الذي انتظره طوال حياته، بعد ثلاثة وعشرين عاماً كاد فيها أن ينسى كيف يبتسم.
قال بصوت نيان تسو الصافي ذي نبرة طفل في الخامسة، لكنه صوت الكائن الذي صاحب تونغ دا جيانغ ثلاثة وعشرين عاماً: «شكراً.» كان ابن عرس الأصفر، روح الجبل، وكان إنساناً أيضاً—أشبه بالإنسان من كثيرين.
قال: «سأرحل.»
سأل الشيخ: «إلى أين؟»
«إلى الزهد، إلى المكان الذي ينبغي أن أذهب إليه. لا يمكنك أن تحتفظ بي هنا.»
«وهل تعود يوماً؟»
التفت الطفل، وعيناه السوداوان تتلألآن في ضوء الفجر، لا بتوهج غريب بل بشيء يسكنهما. «لا أعود. رددت فضل هذه الحياة. أما الحياة القادمة… فدعها لما ستأتي به.»
اتجه إلى الغرفة الشرقية، حافياً، خطوة خطوة. وبعد خطوتين توقف من غير أن يلتفت، وظهره إلى الشيخ. «تونغ دا جيانغ.»
«نعم؟»
قال الطفل: «لست مديناً لي.»
أجاب الشيخ: «لم أكن مديناً لك قط. كنت أنت مديناً لي بتفسير، وأنا مدين لك بكلمة شكر. الآن تصافينا. في الحقيقة كنت دائماً أنا المقصّر في حقك؛ يوم أطلقتك كان الحساب قد انتهى، لكنني لم أحتمل الرحيل. لم يكن ذلك تعلقاً بالفضل، بل بك أنت.»
دخل الطفل الغرفة الشرقية وغاب في إطار الباب. ثم سُمع شهيق خفيف، وعادت شخيرة نيان تسو الصغيرة. أشرق النهار وطلعت الشمس من الشرق، فافترش ضوء برتقالي الفناء، ككل صباح خريفي وكأنه ليس كسواه.
نهض تونغ دا جيانغ من الغرفة الرئيسية وقد تيبس ظهره وساقاه من الجلوس ليلة كاملة. اتكأ إلى المائدة ومدد جسده، ثم فتح الباب وخرج. كانت شمس الخريف دافئة لا لاذعة كشمس الصيف، مريحة إلى حد يجعل المرء يريد البكاء.
ركض نيان تسو من الغرفة الشرقية حافي القدمين يفرك عينيه، شعره منكوش كعش دجاج. صاح: «يا جدي، أنا جائع! طلع النهار! نريد طعاماً!» كانت عيناه سوداويْن براقتين كحبتَي فول أسود مغسولتين، كأن شيئاً نادراً لم يقع.
انحنى الجد ونظر فيهما طويلاً، مرة بعد مرة، يبحث عن الضوء الكهرماني فلم يجده. «نيان تسو، هل حلمت الليلة؟»
أمال الطفل رأسه وخدش خده بإصبعه. «أظن أنني حلمت.»
«وبماذا؟»
«لا أتذكر. لكنني حين استيقظت كنت فرحاً جداً، لا أعرف لماذا، كأنني أكلت حلوى.»
ربت الجد على رأسه؛ كان شعره ناعماً. «حسناً، اذهب فاغسل وجهك، وسيصنع جدك الطعام.»
وعندها رأى في زاوية الفناء خلف نيان تسو شجرة جديدة: أكاسيا صغيرة في موضع كومة الحطب القديمة. لم تكن كبيرة، بجذع في غلظ المعصم، لحاؤه أخضر غض، وأوراقه خضراء كبراعم مايو لا كورق الخريف. بقيت كومة الحطب إلى جانبها، أما الشجرة فكأن أحدهم تسلل ليلاً في الساعات التي جلس فيها الشيخ، حفر حفرة وغرسها وردمها وسقاها ثم رحل.
مشى تونغ دا جيانغ إليها ولمس جذعها. كان لحاؤها أملس طرياً، لكن في الداخل دفء. لم يكن من الشمس، فهي لم ترتفع بعد بما يكفي؛ كان دفئاً ينبعث من الجذع نفسه. نظر إلى التراب عند الجذور فوجده مقلوباً حديثاً رطباً، وفيه أثر قدم صغيرة بحجم ظفر الإبهام، خفيف كأنه وطئه عند الوداع الأخير ثم اختفى.
قرفص الشيخ أمام الأثر طويلاً، ثم قال بصوت خافت لا يسمعه إلا هو، أو لعل الشجرة وحدها تسمعه: «أنت أيضاً إنسان. أنت أشبه بالإنسان من كثيرين.»
وقف ينظر إلى أكاسيا الصغيرة وهي تهز أوراقها برفق في ريح الخريف، كأنها تومئ، أو تلوّح، أو تقول: وداعاً.
---
خاتمة
كبر تونغ نيان تسو وصار كأطفال القرية الآخرين: شقياً محباً للهو، يتسلق الأشجار لينهب أعشاش الطيور وينزل إلى النهر يلمس السمك، فيطارده أبوه شياو لين في الفناء بالمكنسة وهو يصيح: «يا جدي، أنقذني!» لكنه ظل يختلف عنهم في أمر واحد: مهما اشتد شغبه لم يؤذ حيواناً صغيراً، ولا سيما ابن عرس الأصفر.
كان الجد تونغ يقول له: «الدجاج لا يخافك في فناء دارنا لأنه يثق بك، فلا تستغل ثقته لتؤذيه. وابن عرس الأصفر، إن رأيته فدعه يمضي، دعه يمضي. لا تضربه ولا تشتمه. ماء البئر لا يعتدي على ماء النهر، فليسلك كل واحد طريقه.»
وظلت شجرة الأكاسيا في زاوية الفناء تكبر وتشتد، ويصير تاجها مظلة خضراء كبيرة؛ تظلّل صيفاً، وتسقط أوراقها خريفاً، وتزهر ربيعاً. كل ربيع كانت أزهارها البيضاء تتدلى عناقيد كثيفة على الغصون، عطرها لا قوياً ولا خافتاً، يكفي ليمتلئ به الفناء. وإذا هبّت الريح تساقطت البتلات بحفيف، كثلج صغير أبيض عطِر.
وحين كبر نيان تسو سأل جده: «يا جدي، متى زرعنا هذه الأكاسيا؟ منذ بدأت أتذكر وهي هنا؛ لا بد أنها أقدم مني؟»
كان تونغ دا جيانغ يجلس على العتبة وغليونه في فمه وينظر إليها. في الماضي كان يقول إنها زُرعت في الليلة الماضية، أما الآن فكان يقول: «زُرعت قبل أن تأتي أنت.»
قال نيان تسو: «وهل رأيتها تزهر؟»
«رأيتها. تزهر كل عام، وفي عام أزهرت أكثر من أي عام.»
«أي عام؟»
«في خريف السنة التي كان عمرك فيها خمس سنوات. أزهرت الشجرة كلها، لا في الربيع بل في الخريف؛ الأوراق لم تسقط بعد وكانت الأزهار البيضاء تملأ الفروع الخضراء والفناء.»
سأله نيان تسو باهتمام: «ولماذا يا جدي؟»
ظل الشيخ ينظر إلى الشجرة طويلاً قبل أن يقول: «لا أدري. لعلها… كانت سعيدة.»
ثم سأله نيان تسو: «يا جدي، هل رأيت ابن عرس أصفر؟ واحداً يستطيع الوقوف؟» توقف الغليون في يد تونغ دا جيانغ لحظة ثم واصل التدخين. «رأيت.»
«أين؟»
«في الجبل، قبل أعوام كثيرة.»
«وهل كان يقف حقاً؟ وهل يتكلم؟»
لم يجب الشيخ. نقر رماد غليونه في نعل حذائه، ونهض وقال: «تأخر الوقت. هيا إلى الداخل، حان إعداد الطعام.»
وفي تلك الليلة وقف وقتاً أطول تحت الأكاسيا، يده على جذعها، صامتاً. أضاءه القمر، وأوراقها تحكّ فوق رأسه كأن بينهما كلاماً لا يمكن قوله، لكن كليهما يفهمه.
وعاش تونغ دا جيانغ عشر سنوات أخرى. في خريف عامه الثالث والثمانين رحل. في الصباح أكل عصيدة، وأطعم الدجاج، وجلس في الفناء قليلاً في الشمس، ولمس جذع الأكاسيا، ثم عاد إلى الغرفة واتكأ على الكانغ وأغلق عينيه. كانت في زاوية فمه ابتسامة خفيفة، كأنه يودع أحداً أو يسمع أحداً يقول له: «شكراً.»
عاد نيان تسو من المدرسة بعد الظهر فنادى جده ولم يجد جواباً. فتح الباب، فإذا الجد قد رحل في هدوء. كان غليونه إلى جانبه، بلا نار، وتبغه ما زال جافاً.
وفي شتاء السنة التي رحل فيها، في الشهر القمري الثاني عشر، أزهرت الأكاسيا كلها. لم يكن ربيعاً بل شتاء، وكانت الثلوج تهطل كما في المنحدر قبل ثلاثة وعشرين عاماً. أزهار بيضاء وثلج أبيض فوقها، لا يُدرى أيهما الزهر وأيهما الثلج. قال أهل القرية إن الشجرة مشؤومة: أي شجرة تزهر في الشتاء؟ أما تونغ نيان تسو فلم ير ذلك؛ شعر أنها تودّع رجلاً انتظرته عمرها كله وحرسَته عمرها كله، وتمكنت أخيراً أن تقول له وجهاً لوجه: «شكراً.»
*** النهاية ***
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.