كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/10 · ختم الروح بالإنسان الحيّ
الفصل السابق

10 · ختم الروح بالإنسان الحيّ

ما وراء الليل

الفصل التالي

كان شِن تشينغشان في الثالثة والسبعين.

في أرض شيانغشي، لم يبق كثيرون يعرفونه.

في شبابه، ما إن يُذكر ناقل الجثث من آل شِن في تشنتشو حتى يغير التجار الذين يسيرون ليلاً طريقهم.

ولا بد لهم من ذلك؛ فمن يلقَ النحس قد يظل حظه معطوباً طوال العمر.

كان ذلك قبل خمسين عاماً، حين كان شِن تشينغشان في أوائل العشرينات، وقد تعلم صنعة نقل الجثث سبع سنين على يد أستاذه.

في يوم تخرجه أعطاه الأستاذ ثلاثة أشياء: صفيحة نحاسية، وعصاً من خشب الخوخ، وتعويذة مرسومة على ورق أصفر مخصص للطقوس.

قال الأستاذ:

— الصفيحة تشق الطريق، فيتنحى الأحياء.

— خشب الخوخ يقمع الشر، فتطيع الجثث.

ثم سكت عند التعويذة، وطرق رأس غليونه في نعل حذائه ثلاث طرقات رنانة.

وقال كلاماً ظل شِن تشينغشان يذكره أكثر من خمسين سنة:

— يا شِن الصغير، هذه ليست شيئاً تستعمله، بل شيئاً تورثه. إن لم تجد من تورثه، فأحرقها قبل موتك. لا تدعها تقع في يد غريب.

سأله شِن تشينغشان عن السبب، فلم يجب الأستاذ. ظل ينظر إليه طويلاً، حتى كادت نار الموقد تخبو، وخبا دخان غليونه، ولم يبق إلا جمر أحمر كضوء الأشباح.

ثم قال:

— تذكّر: ما تسوقه في نقل الجثث ليس بالضرورة جثة.

فكر شِن تشينغشان في معنى ذلك خمسين سنة، ثم صار يخاف أن يفكر فيه. ومنذ ذلك الحين لم يعد يجرؤ على التفكير؛ فكل تفكير يقربه خطوة من جواب يخشاه.

في تلك الليلة جلس شِن تشينغشان في قاعة بيته الصغير: ثلاث غرف من الطين، قاعة، وغرفة نوم، ومخزن أدوات. في القاعة لوح لجد الصنعة مكتوب عليه: «موضع سلف نقل الجثث من مملكة وو شيان».

لم يعرف أحد ما مملكة وو شيان. سأل أهل القرية، ولم يفسر لهم؛ فالأمر مما ورثه الأسلاف، ولا يفسر. كانت صنعة نقل الجثث، كما يقال، ليست من شيانغشي، بل جاءت من مكان أقدم كثيراً؛ أقدم حتى كانت عصور شيا وشانغ وتشو فتية. وو شيان من أزمنة سحيقة، أقدم من تحكم يو العظيم بالفيضانات، وأقدم من الإمبراطور الأصفر وتشي يو، من زمن لم يكن فيه حتى حرف «إنسان» في الدنيا.

لم يكن شِن تشينغشان يقول هذا عادة؛ فلن يصدقه أحد، وربما جلب عليه القول كارثة.

كان في الثالثة والسبعين بلا ولد ولا بنت. اتخذ ثلاثة تلاميذ: مات اثنان وفر واحد. مات الأول في طريق نقل جثة حين جلست الجثة فجأة، فمات التلميذ من الفزع. والثاني أوصل الجثة وأتم المهمة، ثم وجدوه في صباح اليوم التالي ميتاً على سرير النزل. كان يبتسم، زاويتا فمه مرفوعتين، وعيناه محدقتين وحدقتاه متسعتين أكثر من العملات النحاسية. لم تكن ابتسامة؛ كان كأن شيئاً سكن فيه، دخل من فمه ومن عينيه.

أما الهارب فكان اسمه شياو ليو. بقي معه ست سنوات، ذكيّاً سريع اليدين، يتعلم كل شيء من أول مرة. علّم شِن تشينغشان شياو ليو كل ما يستطيع: كيف يستعمل عصا الخوخ، وكيف يقرع الصفيحة النحاسية، وكيف يرسم التعويذة، وفي أي فصل وأي ساعة وأي طريق يسير. لا يجوز أن تخطئ خطوة؛ فالخطأ يفسد كل شيء.

وفي السنة السادسة من تعلمه، جثا شياو ليو أمامه ذات ليلة. لم يقل شيئاً، بل سجد ثلاث مرات، ثم نهض ومضى. غادر في تلك الليلة ولم يجمع حتى أمتعته. وعند الباب التفت وقال:

— يا أستاذ، لا يجوز أن تُورَّث هذه الصنعة بعد الآن. إن استمر توريثها ستقع كارثة عظيمة.

خرج شِن تشينغشان خلفه، لكنه لم يجد أحداً، حتى وقع الخطى لم يسمعه في الظلام، كأن شياو ليو لم يأت قط.

كان ذلك قبل عشر سنوات. ومنذئذ لم يقبل شِن تشينغشان تلميذاً. ينقل الجثث وحده، ويمشي وحده، ويجلس وحده في القاعة يحدق في لوح جد الصنعة؛ يجلس ظهيرة كاملة، ثم يجلس على ذلك الحال عشر سنوات.

كان منتصف الليل قد مضى، ولم ينم شِن تشينغشان. لم يكن عاجزاً عن النوم؛ كانت هناك مهمة آتية. كان يحس بها، إحساساً لا يعرف كيف يصفه. كان الأمر كحال ما يسبق الرعد.

للجو رائحة، لا تُرى ولا تُسمع، بل تُشمّ: حامضة، زفرة، رائحة موتى. لم يدخل صاحبها الدار، لكنها سبقت إلى الباب.

نهض شِن تشينغشان، ومشى إليه، ووضع يده على المزلاج من غير أن يسحبه. انتظر.

ولم يخب ظنه. دوّت في الخارج خطوات رجل واحد؛ ثقيلة، لا كثقل من قطع طريقاً جبلياً، بل كثقل من يحمل هماً في صدره. كان يثبت كل قدم، ثم يتردد، كأنه يتقدم خطوة وينكمش نصف خطوة. وطال به السير حتى بلغ العتبة.

سحب شِن تشينغشان المزلاج.

صرير—

انفتح الباب.

وقف خارجه رجل في أوائل الثلاثين، نحيل حتى برزت وجنتاه كأنهما نصلا سكين، وعيناه غائرتان حتى ظهرت عظام محجريهما. كان يرتدي ثوباً طويلاً من قماش رمادي، قد بَلِيَت أكمامه وياقته وموضع كتفيه؛ لم يبله طريق الجبل، بل أعوام طويلة حتى أوشك القماش أن يتمزق.

حدّق الرجل في شِن تشينغشان، وحدّق شِن فيه. وظلا يتبادلان النظر مقدار احتراق عود بخور، بلا كلمة.

قال الرجل أخيراً:

— أنت تعرف سوق الجثث.

لم يكن سؤالاً، بل تقريراً. كان صوته مبحوحاً، كأن الماء لم يمس حلقه منذ أيام، أو كأنه أتى من مكان بعيد جداً حتى جففته الريح.

لم يجبه شِن؛ واكتفى بالنظر إلى عينيه. فيهما خيوط دم، لا من سهر، بل من خوف طال طويلاً حتى كأن الدم فيهما توقف وتخثّر وصار خطوطاً حمراء دقيقة.

قال شِن تشينغشان:

— وتريد نقل جثة.

ولم يكن ذلك سؤالاً أيضاً.

أومأ الرجل.

— إلى أين؟

— سيتشوان.

— كم تبعد؟

— من هنا إلى شيوشان، فمروراً بيويانغ إلى تشيانتشيانغ، ثم غرباً إلى جبال باشان.

— كم «لي»؟

— ألف ومئتا لي، وربما أكثر.

صمت شِن تشينغشان. ألف ومئتا لي في الليل، وجثة واحدة؛ شهر على الأقل، بلا راحة، بلا شمس، شهر يعيش فيه المرء داخل العتمة. هل بقي في عظامه العجوز ما يحتمل ذلك؟

— والأجر؟

— سمِّ ما تشاء.

— لا أحدد أجراً. ما عملك؟

تجمد الرجل لحظة ولم يجب. أعاد شِن سؤاله:

— ما عملك؟

تحركت تفاحة آدم في عنقه. ابتلع شيئاً؛ لم يكن ريقاً، بل كلاماً ابتلعه إلى الداخل. ثم قال:

— أنا طالب علم.

ابتسم شِن تشينغشان، لا ابتسامة حقاً، بل تحرك طرف فمه. في الثالثة والسبعين، أي كذبة لم يرها؟ طالب علم يجيء إلى غربي هونان بحثاً عن ناقل جثث، يريد أن ينقل ميتاً إلى سيتشوان في ألف ومئتي لي من دروب الليل! إن كان هذا طالب علم، فكل قطّاع الطرق في الجبال علماء.

— وأين الجثة؟

— على قارب، عند نهر يوان.

— جثة من؟

عاد الصمت، وطال حتى كاد زيت المصباح ينفد، وتكوّنت في فتيلته زهرة سخام فرقعت مرتين.

— أخي الأكبر.

نظر إليه شِن تشينغشان ولم يسأل أكثر. كان يعلم أنه لن يستخرج جواباً. ففي مهنة نقل الجثث قاعدة: لا تسأل من أين، ولا إلى أين، ولا من هو الميت. ثلاثة أسئلة لا تُسأل، ورثوها عن جد الصنعة؛ لا لرحمة فيهم، بل لأن من عرف أقل عاش أطول.

دخل شِن الدار وأخذ عُدّته: الصفيحة النحاسية ملفوفة بثلاث طبقات من قماش زيتي؛ وعصا الخوخ المصقولة من طول ما أمسك بها حتى صارت لامعة ناعمة؛ وتلك التعويذة التي خبأها ملاصقة لجسده، مخيطة في بطانة معطفه القطني. مضى عليها أكثر من خمسين عاماً، ولم يرها أحد ولم يذكرها لأحد.

وحين خرج الرجل، التفت إلى لوح جد الصنعة. بدت حروفه تحت ضوء المصباح الزيتي خافتة، كأنها محفورة في عظم: «موضع جدّ نقل الجثث من مملكة وو شيان».

وفجأة تذكر شِن قول معلمه: «تذكّر: ما يُنقَل في نقل الجثث ليس بالضرورة جثة». ظل أكثر من خمسين عاماً لا يفهمه تماماً، لكنه أحسّ أن هذه الرحلة ستفهمه المعنى، شاء أم أبى.

على ضفة نهر يوان رسا قارب خشبي صغير. اشتعلت فيه فانوس عاصفي، يلقي ضوءاً أصفر باهتاً على تابوت عند المقدمة. كان تابوتاً جديداً من خشب الأرز، لم يُطْلَ بعد؛ أبيض شاحب تحت الضوء، بياضاً يلسع العين ويستدعي العظام.

وصل شِن تشينغشان إلى القارب. كان الملاح قابعاً عند مؤخرته يدخن، فلما رآه... نهض الملاح وتراجع خطوتين، حتى بلغ مقدمة القارب وكاد يقع في الماء. لم يعد وراءه موضع يتراجع إليه. ابيضّ وجهه، أشد بياضاً من ألواح التابوت.

قال شِن تشينغشان:

— افتح.

تردد الرجل، ثم أخرج مطرقة حديدية من ثوبه. كان غطاء التابوت مثبتاً بالمسامير: سبعة مسامير طول كل منها سبع بوصات، مرتبة على هيئة نجوم الدب الأكبر. رآها شِن، فانقبض قلبه. ليس لأجل المسامير، بل لأن صانع التابوت يعرف هذا الفن. لم يكن تابوتاً عادياً؛ بل صنعه رجل من أهل الصنعة.

دقّ— دقّ— دقّ.

رنّ صوت اقتلاع المسامير على ضفة نهر يوان ليلاً، كأنه يطرق عظام إنسان. مع كل ضربة يهتز القارب، وتتبدد صورة الماء ثم تعود فتجتمع.

ارتفع الغطاء. انحنى شِن تشينغشان ورفع الفانوس العاصفي وأضاء الداخل.

في التابوت رجل يشبه الرجل الواقف خارجه تماماً: النحول والطول والوجه والحاجبان والعينان، حتى انحناءة ذيل الحاجب. كأنهما خرجا من قالب واحد.

توأمان، فكّر شِن. لذلك قال: «جثة أخي». أجل، أخوه الأكبر، أخوه الشقيق الذي خرج معه من القالب نفسه.

كان الرجل في التابوت يرتدي ثوباً أسود جديداً، ثوب كفن، وأزراره المعقودة مصطفة، واحداً واحداً، في نظام تام. يداه بمحاذاة جانبيه على درز السروال، وعيناه وفمه مغلقان، وملامحه هادئة؛ هادئة أكثر مما ينبغي. لم يكن كالميت، بل كالنائم، لكنه لم يكن كنائم أيضاً، بل كمن ينتظر.

مد شِن يده إلى وجهه، ليتحسس جبهته ووجنتيه وذقنه. تلك قاعدة يتبعها ناقل الجثث قبل الرحيل: يختبر الحرارة، ويختبر التصلب، ويختبر إن كان ثمة نجاة بعد.

مع أن هذه الجثة لم تكن حديثة الموت، فقد مضت ثلاثة أيام على الأقل. ثلاثة أيام في الخريف، وكان ينبغي أن تفوح الرائحة. لكن شِن لم يشم شيئاً؛ ولا ذرة. بل شم رائحة أخرى: رائحة حي، خفيفة إلى حد يكاد لا يُدرك، لكنه أدركها. أمضى عمره ينقل الجثث، ويعرف رائحة الميت من رائحة الحي.

توقفت يده في الهواء، ولم يبق بين أطراف أصابعه ووجه الرجل إلا ثلاث بوصات.

ثلاث بوصات.

توقف العجوز شِن لأنه رأى جرحاً عند عنقه؛ لا قطع سكين ولا أثر خنق، بل ختم تعويذة. خط أسود دقيق، كأم أربعة وأربعين، يخرج من خلف أصل الأذن، يلتف حول تفاحة آدم، ثم يدخل تحت الياقة ويختفي.

«تقنية ختم الروح في جسد حي».

قفزت الكلمات إلى ذهنه، لا لأنه استحضرها، بل كأن ذاكرة اندفعت من أعماق عظامه. لم يعلمه معلمه إياها، ولم يرها مكتوبة على لوح الجد، لكنه عرفها. عرفها هذا الشيخ لا محالة.

كانت تقنيةً موروثة من مملكة وو شيان، مملكة السحر القديمة التي سبقت شيا وشانغ وتشو. كان سحرتها يستطيعون أن يختموا روح الحي في جسده، فيدخل في موت زائف: لا يموت حقاً، بل تبقى روحه محبوسة لا تخرج، ولا يستطيع هو أن يفيق. يظل متيبساً، لا ميتاً ولا حياً، شهراً أو نصف سنة أو ثلاث سنين، بل عمره كله. وحين يتعفن الجسد أخيراً تخرج الروح؛ لكنها حينئذ لا تخرج إنساناً.

سحب شِن تشينغشان يده ولم يلمسه. لا يجوز لمسه.

فهم الآن. هذا الرجل في التابوت لم يمت قط. بل لم يزل واعياً. يستطيع سماع ما يدور حوله، وربما يحس بحرارة ضوء الفانوس حين يقع على وجهه.

رفع شِن رأسه ونظر إلى «الأخ الأصغر» عند حافة القارب. كان الرجل خارج دائرة ضوء الفانوس، وجهه غارقاً في الظل، فلا تظهر ملامحه؛ الذي ظهر فقط يداه المشدودتان حتى ابيضت مفاصلهما.

قال شِن تشينغشان:

— نتحرك.

كلمتان، ولم يسأل أكثر. ثلاثة أسئلة لا تُسأل، تلك هي القاعدة. لكن هذه المرة لم يصمت لأجل القاعدة وحدها، بل لأنه خاف أن يسأل؛ خاف أن يسمع جواباً لا يريد سماعه، جواباً ظل يخشاه خمسين سنة. حان الوقت: الربع الثالث من ساعة الفأر، حين تبلغ طاقة اليِن ذروتها.

رفع شِن تشينغشان الصفيحة النحاسية.

طنّ—

كان ذلك الرنين الأول. انتشر فوق نهر يوان دوائرَ إثر دوائر، إلى الجهات كلها؛ فإذا لقي الجبل ارتدّ، وإذا لقي الماء غاص فيه. سمعته حيوانات الليل فسكتت: لم تنعق الحشرات، ولم تصح الطيور، ولا قفزت حتى السمكات في الماء.

انطلقت رحلة نقل الجثة. ناقل الجثث العجوز ابن الثالثة والسبعين، يصحب جثة ليست جثة، و«أخاً أصغر» ينسج الأكاذيب، متجهين غرباً إلى سيتشوان، في ألف ومئتي لي من طرق الليل.

عرف شِن أن هذه آخر مهمة في حياته. لم يحتج أحداً يخبره؛ فمن بلغ الثالثة والسبعين يشعر بمصيره. لكنه لم يكن يعلم يومها أن هذه الرحلة ستسوقه هو نفسه إلى موضع لم يتخيله قط.

---

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.