كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/10 · ختم الروح بالإنسان الحيّ — الفصل 2
الفصل السابق

10 · ختم الروح بالإنسان الحيّ — الفصل 2

ما وراء الليل

الفصل التالي

بعد ثلاثة أيام، أحس شِن تشينغشان أن ثمة خطباً. لم يعرف أين موضعه، لكن الطريق كان سلساً أكثر مما ينبغي.

من يسوق جثة في الليل لا بد أن يلقى شيئاً: نباح كلب، أو فزع دجاج، أو أبقار تضطرب في حظائرها، أو أفعى تقطع الطريق، أو قطة تسدّه. هذه الكائنات الصغيرة شديدة الحس، تشعر بطاقة اليِن المنبعثة من الميت فتضطرب من بعيد. أما في هذه الرحلة، فلا شيء. لا نباح ولا فزع. حتى الضفادع الرابضة على حواف الحقول، حين مروا بها، لم تقفز ولم تنق؛ ظلت مكانها، تنتفخ حناجرها وتنكمش، وعيونها محدقة كأنها تتفرج على مشهد.

لم يكن ذلك طبيعياً، أبداً.

مشى شِن في المقدمة، يحمل الفانوس بيده اليسرى وعصا الخوخ باليمنى. وخلفه بثلاث خطوات التابوت، وقد ثبت له هو بنفسه عجلتين من خشب صلب مغلف بالحديد المطاوع، فلا تصدران صوتاً في الليل. كانت تلك حرفة علمه إياها أستاذه: تجعل العجلات المسير أيسر، وتحفظ التابوت مستوياً. لا ينبغي للجثة أن تميل؛ فإن مالت تسربت طاقة اليِن، وإن تسربت جاءت المتاعب.

وخلف التابوت سار الرجل الذي ادعى أنه الأخ الأصغر. قال إن اسمه تشو وِنيوان، لكن شِن سماه في نفسه «ذلك الرجل». كان اسماً منحه إياه، لا اسمه الحقيقي؛ لا أحد يعرف اسمه الحقيقي، ولعل الرجل نفسه نسيه. لم يتكلم، ولم يكن لمشيه صوت. وكلما التفت إليه شِن وجده مطأطئاً رأسه يحدق في قدميه، كأنه يخاف أن يدوس شيئاً، أو يخاف أن يدوسه شيء.

عرف شِن هذا الطريق عشرات السنين، ويستطيع أن يسلكه مغمض العينين: من أراضي تشنتشو غرباً، عبر فنغهوانغ إلى غويتشو، ثم انعطافاً إلى سيتشوان. يحفظ كل جبل ونهر ومفترق. لكن تلك الليلة رأى ما لم يره قط على هذا الطريق.

تحت شجرة كافور عتيقة، وعلى ظهر لافتة الطريق، حرف واحد: «اهرب».

لم يكن محفوراً، بل محروقاً في عروق الخشب، أسود متفحم. لم يعرف منذ متى أُحرق، لكنه عرف هيئته؛ لم يكن حرفاً عادياً، بل كتابة وو، كتابة السحرة القدماء. رآها قبل أكثر من خمسين عاماً في صندوق خشبي قديم لأستاذه، على صدفة سلحفاة. وحين سأل أستاذه عنها قال: «لا أعرف»، ثم أغلق الصندوق ولم يفتحه مرة أخرى.

والآن ظهر الحرف هنا، على طريق سار فيه عشرات السنين. هبط قلب شِن كحجر في بئر، يغوص ولا يبلغ القاع.

استدار فجأة ولوّح بعصا الخوخ. شقت العصا الهواء ولم تصب شيئاً. كان التابوت على بعد ثلاثة أمتار خلفه ساكناً، و«ذلك الرجل» وراءه يحمل فانوساً آخر. تحت الضوء بدا وجهه أبيض كالورق، وارتجفت شفتاه، كأنه شعر بشيء هو الآخر، أو كأنه يخشى أن يلاحظ شِن ما يخفيه.

قال شِن، وهو يكذب:

— هل مشيت قبل قليل أمام التابوت؟

هز الرجل رأسه بعنف كخشخاشة طفل.

— لا، ظللت هنا دائماً.

حدق فيه شِن طويلاً، ثم استدار ليضيف الزيت إلى الفانوس. لم يصدقه، لكنه لم يسأل. ثلاثة أسئلة لا تُسأل، قاعدة قديمة؛ غير أنها لم تقل إن التفكير والارتياب ممنوعان.

وظل على درب الجبل يستعيد الحرف تحت شجرة الكافور: «اهرب». ممّ يهرب المرء؟ من الذي يهرب؟ إلى أين؟ ولماذا؟

فذكّره ذلك بالرجل في التابوت. لم يمت؛ هذه حقيقة تأكد منها. تقنية ختم الروح في جسد حي تُدخل الحي في موت زائف. وفي كل ختم تضعف صلة الروح بالجسد درجة؛ وكلما ضعفت ابتعد صاحبها خطوة عن العودة، حتى يبلغ حداً لا يعود معه أبداً ويصير ميتاً حقاً. لا، ما هو أسوأ من الميت: شيء لا هو إنسان ولا شبح، تبعثرت روحه وبقي جسده. لكن جسده صار مسكناً لشيءٍ آخر.

وما ذلك الشيء الذي حلّ فيه؟

لا أحد يعلم.

حتى سحرة العصور الغابرة لم يجرؤوا على الجزم به.

لذلك، فإن من يلجأ إلى فنّ ختم الروح في جسد حي لا يستعمله إلا في حالٍ قصوى.

وأيّ حال هي؟

— الفرار طلباً للنجاة.

يُختم المرء في تابوت، ويتظاهر بالموت، ثم يسوقه ناقل الجثث في طريقه.

فالمطاردون، ولو امتدّوا ثمانمائة ليّ، لا يلحقون بجثةٍ ميتة.

لكن من الذي يطارده؟ ولماذا؟ ولماذا يبلغ به الهرب سيتشوان، على مسافة ألف ومئتي ليّ؟

دارت هذه الخواطر في رأس شين تشينغشان دورةً بعد دورة، كحجر الرحى، حتى اعتصرته الضيقة. لكنه كبَتها. في طريق نقل الجثث لا ينبغي للمرء أن يسترسل في التفكير؛ فالشرود يُضلّ الطريق، ومن أضلّه الطريق... فلن يعود.

هكذا قال له معلّمه. ولم يقل أيّ طريق هو الذي لا عودة منه. لكن شين كان يعلم أنه ليس طريق الجبال.

عند الفجر الخامس، حين أوشك النهار أن ينبلج، أوقف شين قرعه واختار غابة صنوبر ليستريح فيها. لا تسير الجثث إلا ليلاً؛ فإذا طلع النهار، حُرِّم السير. ليست العلّة خشية أن يراها الناس، بل خشية الشمس. فحين تشرق، يتبدّد اليِنّ، وحين يتبدّد ينبغي للميت أن يعود إلى التراب. وإن لم يعد، وقع أمرٌ عظيم.

وما ذلك الأمر؟ لم يكن شين يعلم؛ إذ إن كل ناقل جثث وقع له أمر كهذا لم يرجع قط ليحكيه.

جلس تحت صنوبرة ضخمة مسنداً ظهره إلى جذعها، وأخرج كيس زاده. كان فيه خبز ذرة صلباً يصلح لأن يقتل إنساناً إذا رُمي به. يقضم منه القضمة فيدعها في فمه طويلاً حتى تلين، ثم يبتلعها.

وكان الرجل جالساً إلى جوار التابوت، على مسافة لا هي بالقريبة ولا بالبعيدة، في آخر ضوء المصباح الزيتي حيث يختبئ وجهه في العتمة. أمسك زاده ولم يأكل؛ ظلّ ممسكاً به كأنه يفكّر في شيء، أو كأنه لا يفكّر في شيء إطلاقاً.

فرغ شين من طعامه وشرب جرعة ماء، وأسند عصا الخوخ إلى الشجرة، وكاد يغمض عينيه هنيهة، حين انتصبت أذناه فجأة.

سمع صوتاً.

لم يكن ريحاً، ولا ماءً، ولا زقزقة طير، ولا صرير حشرة.

كان كلاماً، خافتاً جداً وقريباً جداً، كأن فماً التصق بأذنه ينطق كلمةً كلمة.

لم يتحرّك شين، ولم يفتح عينيه. تصلّبت عضلات جسده كلها. أصغى: كان الصوت يصدر من التابوت، من داخله بالذات.

«يا... معلّمي...»

كلمتان خفيفتان كريشة تقع في الماء، لكنه سمعهما كلتيهما. لم تدخلا من أذنيه، بل تسلّلتا من بين شقوق عظامه.

فتح عينيه، وكانت يده قد لامست التعويذة في صدره. تلك التعويذة دسّها معلّمه في يده قبل أن يموت قائلاً: «لا تستعملها في عمرك إلا مرة واحدة. فإذا استعملتها، فلا تمشِ في الليل بعد ذلك.» ثم لفظ أنفاسه.

حفظ شين التعويذة أربعين عاماً، ولم يُخرجها قط. الآن أخرجها. كانت حواف الورقة هشةً تتفتت من اللمس، لكن الزنجفر المرسوم عليها ظلّ مشرقاً؛ أربعون عاماً ولم تبهت منه قطرة دم واحدة.

أدار رأسه ببطء، ببطء شديد، ونظر إلى التابوت. لم يتحرّك. غطاؤه ما زال مسمّراً بإحكام، وعجلاته لم تهتز. أضاء المصباح ألواح خشب التنوب؛ وتحت لمعان الماء بدت عروقها كوجه رجل عجوز. وكلما أطال النظر خُيّل إليه أن الوجه ينظر إليه.

قال الرجل فجأة: «أنت أيضاً سمعته؟»

كان العجوز شين واقفاً عند الطرف الآخر من التابوت، وجهه مخبوءاً في الظلمة، لكن صوته كان يرتعش كمن أصابته رجفة برد.

لم يجبه شين؛ ظلّ يحدّق في التابوت طويلاً، حتى أنهت طيور الغابة جولة من تغريدها.

قال الرجل ثانية، بصوت أخفض، كأنه يكلّم نفسه أو يكلّم من في التابوت: «لم أكن هكذا من قبل.»

سأله شين من غير أن يلتفت إليه: «وكيف كنت من قبل؟»

لم يقل الرجل شيئاً. قرفص، ودفن وجهه في كفّيه، وارتجف كتفاه مرة ثم مرة. لم يصدر عنه بكاء، لكن شين عرف أنه يبكي؛ ليس نحيباً عالياً، بل بكاء مكتوم يهزّ الجسد كله، كأنه لا يجرؤ على إخراج صوت.

مضيا سبعة أيام أخرى.

وخلال الأيام السبعة تكاثرت الأصوات الخارجة من التابوت. في البدء كانت كلمتين عارضتين: «يا معلّمي»، «من هناك؟»، «ماء». ثم صارت عبارات متصلة: «أين أنا؟» «هل حلّ الظلام؟» «هل يمكن أن... تدعني... أخرج؟»

كان الصوت ينقطع ويعود، كأن المتكلّم يحتاج إلى جمع قوته دهراً ليلفظ كل حرف، أو كأن شيئاً يضغط عليه بكل ما فيه كي لا يتكلم. ضغطٌ ثقيل شوّه حتى نبرة صوته.

اضطرب باطن شين تشينغشان. قضى عمره في سوق الجثث، ولم يصادف أمراً كهذا قط. هل يتكلم الميت؟ لا. إلا إذا لم يكن ميتاً؛ إلا إذا كان إنساناً حياً خُتمت روحه.

ومع ذلك، حتى من خُتمت روحه وهو حي لا يستطيع الحركة أو الكلام أو سماع ما في الخارج أو الإحساس به. تلك قاعدة هذا الفن: من خُتم، خُتم بإحكام؛ الروح محبوسة في الجسد، والجسد لا يتحرك، والروح لا تتحرك. جسد لا يتحرك وروح لا تتحرك: ذلك هو الميت الحقيقي. فإذا انقضى الوقت تفرّقت الروح وتعفّن الجسد، وصار الميت ميتاً حقاً.

لكن هذا الرجل مختلف. إنه يتكلم، أي إن روح ناقل الجثث هذه قادرة على الحركة. أي إن ختم الروح أخذ يرخو.

قدّر شين أنه لم يُختم منذ أكثر من شهر. لم تكن روحه قد انفصلت تماماً بعد، وما زالت له نجاة. أما إن لم يُفك الختم، فلن تمضي أكثر من شهر حتى تتبدد الروح؛ وعندها لن يعيده حتى خالد سماوي عظيم.

استدعى شين الرجل إلى جانب التابوت، وأمره أن ينظر إلى من فيه. تحت ضوء المصباح كان وجه الرجل مطابقاً تماماً لوجه الساكن في التابوت.

قال شين، وصوته ثقيل كحجر يُرمى إلى الأرض: «ذلك ليس أخاك.»

لم يرد الرجل. ابيضّت مفاصل يده التي تقبض على المصباح حتى مالت إلى الزرقة.

قال شين: «إنه أنت.»

ارتجفت يده، وكاد المصباح يسقط. تناثر الزيت على أصابعه، ولم يشعر العجوز بحرارته.

«ختمت روحك وأغلقت على نفسك، وتظاهرت بالموت، وجعلتني أسوقك إلى سيتشوان، إلى مكان لا يجدك فيه من يطاردك. أليس كذلك؟»

نظر إليه الرجل طويلاً حتى كأن ريح الوادي انقطعت، ثم قال كلمة واحدة: «بلى.»

نظر شين إلى وجهه الملطخ بالبكاء. في الثالثة والسبعين رأى شين كثيرين: قطّاع طرق من الجبال يقتلون من غير أن يطرف لهم جفن، ومتجوّلين يبتلعون السكاكين ثم يستخرجونها، وأمهات فقدن أبناءهن فبكين حتى حفرت رُكبهن حفرة في الأرض. لكنه لم يرَ مثل هذا قط: رجل يقف أمام نفسه الأخرى الراقدة في تابوت، يسوق نفسه بنفسه ألفاً ومئتي ليّ.

ما هذا؟ أضجر من الحياة؟ أم خوف بلغ به مداه حتى فضّل أن يجعل نفسه ميتاً على أن يواجه الشيء الذي يطارده؟

سأله شين: «من الذي يطاردك؟»

هزّ الرجل رأسه. لم يكن يجهل الجواب؛ بل لم يجرؤ على قوله.

قال شين: «إن لم تقل، فلن أتابع. سأتركك هنا. ذئاب الوادي ستكسر التابوت وتأكلك. أنت مختوم لا تستطيع الحركة؛ وحين تأكلك الذئاب لن تملك إلا أن تسمع عظامك وهي تُقرض، ولحمك وهو يُمزق، حتى تتبدد روحك.»

كان صوته هادئاً كأنه يصف الطعام واللباس، لكن الرجل ازداد ارتعاشاً. وفي النهاية خرّ على ركبتيه.

«سأقول. سأقول كل شيء.»

حدّق شين في الرجل البالغ من العمر نيّفاً وثلاثين، وهو يبكي كبكاء طفل، يختلط مخاطه بدموعه، وترتجف شفتاه طويلاً قبل أن يعصر منهما جملة:

«إنهم... إنهم...»

«من؟»

«وو... شيان...»

انقبض بؤبؤا شين تشينغشان فجأة كأن إبرة وخزته.

وو شيان.

دخل الاسمان إلى أذني الرجل ذي الثالثة والسبعين، وسارا عبر عروقه نحو قلبه. سارا خمسين عاماً، وبلغا النهاية أخيراً.

كلمات المعلّم يومذاك، والكتابة على لوح السلف المؤسس، وكلمة «اهرب» المحروقة على ظهر شجرة الكافور العتيقة، وما قاله شياو ليو قبل رحيله: «يا معلّمي، لا ينبغي أن تورّث هذه الصنعة بعد الآن. إن واصلتَ توريثها، سيقع أمر عظيم.»

خمسون عاماً.

وفي هذه اللحظة التأمت كل الشظايا. والرسم الذي تألف منها جعل البرد يتفجر من عظامه إلى الخارج، حتى أطراف أصابعه وأطراف قدميه، وحتى الأظافر في يده القابضة على عصا الخوخ ابيضّت.

---

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.