كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/10 · ختم الروح بالإنسان الحيّ — الفصل 3
الفصل السابق

10 · ختم الروح بالإنسان الحيّ — الفصل 3

ما وراء الليل

الفصل التالي

في حياته لم يجمع شين تشينغشان بين أمرين: السير في الطريق، والخوف.

كان ناقل جثث، وناقل الجثث لا يجوز له أن يخاف. فإن خاف، اضطرب قرع الغونغ؛ وإن اضطرب الغونغ، لم يعد قادراً على قيادة الموتى؛ وإذا أفلتوا، وقعت كارثة.

لكن في هذه الرحلة خاف شين. لم يكن يخاف ذئاب الجبال ولا أشباح الطريق ولا اللصوص الكامنين في الأدغال. كان يخاف نفسه؛ يخاف الجواب الذي كان يتكوّن ببطء في قلبه.

في المطر الغزير، سار أمام التابوت. كانت عباءته المصنوعة من ليف النخيل قد ابتلّت تماماً، والماء يسيل من أطرافها إلى الأرض، فيختلط بالوحل الذي تعجنه عجلات التابوت. اتخذ عصا الخوخ عكازاً، يغرزها في الطين في كل خطوة وينزعها ثم يغرزها. كانت قدماه تغوصان إلى الكاحلين؛ أما نعلاه القشّيان فابتلعهما الوحل منذ زمن، فمشى حافياً حتى سال الدم من باطن قدميه واختلط بالطين، فلم يعد له لون يُعرف.

تبع الرجل التابوت، وقد ابتل هو الآخر. التصق رداؤه الطويل بجسده، فبدا هزيلاً كعصا خيزران تتأرجح في الريح.

راقب العجوز شين ظهر شين تشينغشان، ذلك الرجل في الثالثة والسبعين وهو يغوص خطوةً خطوة في المطر، فاندفعت إلى قلبه مرارة لا اسم لها. أراد شين أن يقول شيئاً، ففتح فمه مرات ثم ابتلع كلامه.

منذ نطق في الوادي باسم «وو شيان»، لم يسأله شين عن شيء، ولم يبدأه بكلمة. يمشيان كل ليلة ويستريحان مع الضوء، والغونغ يقرع والطريق لا ينتهي. لكن صدر ناقل الجثث كان مكتوماً؛ أطول من ألف ومئتي لي، وأثقل من مطر الجبل الذي لم ينقطع ثلاثة أيام وثلاث ليال.

بعد عشرة أيام توقف المطر. كانت السيول قد مزّقت الطريق الجبلي؛ فانهارت مواضع من الطريق التي كانت تسير عليها العربات، وانكشف أساسها وحجارته البيضاء الشاحبة كأطراف عظام مكسورة. قاد شين التابوت في منعطف حول الجبل، على حافة لا تسلكها حتى الماعز البرية.

علقت عجلة التابوت بين شقّي حجر ولم تتحرك. دسّ عصا الخوخ في حزامه، وأمسك العجلة بكلتا يديه وبذل قوته. احمرّ وجهه وانتفخت عروق عنقه، وانشق جلد ذراعه العجوز وسال منه الدم، وهو لا يشعر. رآه الرجل فهرع للمساعدة، لكن ما إن لامست يده العجلة حتى صاح شين: «لا تلمس!»

تراجع الرجل مذعوراً، وبقيت يده معلقة في الهواء. لم ينظر إليه شين؛ واصل وحده حتى أخرج العجلة. اهتز التابوت، وخرج من داخله صوت خفيف، كتنهد إنسان يطلق زفرة طويلة، طويلة حتى خُيّل لشين أنها بدأت يوم خُتمت الروح ولم تنته بعد.

وفي تلك الليلة، تحت قمر صافٍ، بلغوا معبد إله الجبل المهجور. كان مبنياً من الحجارة وقد أكلته السنون؛ نمت السرخسات على جدرانه، وتعفّن بابه فلم يبق منه إلا نصف يتأوه في الإطار كلما هبّت الريح. أما تمثال الإله فانفصل رأسه عن جسده، وتدحرج الرأس في عشب فاسد عند الزاوية، وعيناه الحجريتان تحدقان في سقف مثقوب يتسرب منه ضوء القمر.

وسقط الضوء على التابوت، فأزرقّ خشب التنوب كأن طبقة صقيع غطّته.

أشعل شين المصباح على مائدة القرابين وأوقد ناراً. امتدت ظلال الجدران المهدمة في الضوء والتوت كأن شيئاً محبوساً في الجدار يتلوى ليخرج. جلس الرجل قرب النار يجفف ثيابه؛ وتصاعد منها بخار أبيض راح يسبح في ضوء القمر والمصباح المتداخلين كحيّات تتحرك.

خفض العجوز شين رأسه إلى النار ولم يتكلم. جلس شين مقابله، وبينهما اللهب، ينظر إليه كذلك. طال الصمت، حتى انفجرت شرارة في النار بفرقعة.

قال شين فجأة: «أستطيع فكّه.»

كان صوته خافتاً، لكن كل كلمة رنّت في المعبد الخرِب، كأن شخصاً في العلو يكررها.

رفع الرجل رأسه. انعكس اللهب الأحمر في عينيه، يضيء ويخبو.

«ماذا؟»

«فن ختم الروح في الحي. أستطيع فكه.»

ظل الرجل مبهوتاً برهة، ثم هزّ رأسه بعنف، كأنه تلقى ضربة سوط. «لا.»

«لماذا؟ إذا فككناه فلن تضطر إلى الرقاد في التابوت. تمشي بنفسك إلى سيتشوان، في وضح النهار، بلا اختباء ولا خوف من مطارديك.»

هز رأسه أكثر، كأنه يريد قذف كلمة «لا» من رأسه. قال بصوت يرتجف من الخوف لا من البرد: «أنت لا تفهم. إن فككته... سيجدونني. يجدونني مهما ابتعدت، ولو إلى آخر الدنيا.»

«ومن هم؟»

لم يجب. تكوّر ودفن رأسه بين ركبتيه، وانكمش كجوزة يابسة.

قال شين، ووجهه تضيئه النار بين تجاعيد عميقة كحلقات الشجر: «دولة وو شيان.»

ثقلت الكلمات الثلاث واحدةً بعد أخرى. وانكمش الرجل أكثر، كأنه يريد أن ينفذ إلى شق في الصخر ويختفي.

وضع شين عصا الخوخ مسندة إلى مائدة القرابين. «عمري ثلاثة وسبعون. أتدري كم جثة سقتها في حياتي؟»

لم يجب الرجل، لكنه رفع رأسه. رأى في ضوء النار عيني شين لا تنظران إلى اللهب، بل إلى مكان سحيق البعد لا تستطيع عيناه العجوزان رؤية نهايته.

قال شين: «ثلاثمائة واثنتان وسبعون. أوصلت ثلاثمائة وسبعين منها. أما اثنتان فتبددت روحهما في نصف الطريق. بقي الجسدان، لكنهما لم يعودا قادرين على المشي؛ تركتهما عند شقوق الحجارة ودفنتهما وضغطت فوقهما حجارة ووضعت علامة. قلت لنفسي: إذا سنحت لي فرصة سأعود لأخذهما. لكن الفرصة لم تأت، وظلّتا تحت الحجارة. بعد كل هذه السنين لا أدري أهما هناك أم جرفتهما السيول أو نبشتهما الوحوش.»

وأضاف: «حين مات معلّمي قال لي: ما تسوقه في نقل الجثث ليس بالضرورة جثة. احترمته نصف عمري، وفكرت في عبارته نصف عمري ولم أفهمها. أفكر ثم أنسى، أنسى ثم أتذكر؛ حين أتذكر يقشعر جسدي، ثم أقول بعد زمن إنني بالغت. قضيت عمراً أدور في تلك العبارة كحمار يدير الرحى ولا يخرج من دائرتها.»

حرّك الرجل شفتيه كأنه يريد الكلام، ثم لم يقل شيئاً.

قال شين: «الآن فهمت. من بين الجثث الثلاثمائة والاثنتين والسبعين التي سقتها، كم منها كان مختوماً بهذا الفن؟»

رفع شين عينيه إليه. كان هدوؤه مرعباً، كسطح ماء ميت يخفي شيئاً في قاعه. «ما قولك؟»

لم يجرؤ الرجل على النظر إليه، فعاد فدفن وجهه بين ركبتيه. لم يكن يبكي؛ كان يرتجف بلا توقف، كورقة أخيرة في الخريف تعلّقت بغصن: تهب الريح فلا تقع، وتسكن فلا تقع، ولا أحد يعرف متى تقع، لكن الجميع يعرف أنها ستقع.

وفيما بعد، بدأ شين يتحدث إلى التابوت، لا إلى الرجل، بل إلى ذلك الذي يرقد فيه وقد ختم نفسه بيده.

سأل وهو يمشي من غير أن يلتفت: «أتدري ما اسم هذا الطريق؟»

دارت عجلات التابوت فوق الطريق الجبلي بصوت مكتوم، وفي الفواصل جاء جواب خافت جداً: «... لا أدري.»

«يسمونه طريق الخمسة أقدام. بناه رجال تشوغه ليانغ بأمره، لا بيد تشوغه ليانغ نفسه. نحو الغرب، إلى باشو، لنقل الطعام والجنود. مات تشوغه ليانغ، وتفرق الجنود وتعفّن الطعام، لكن الطريق بقي أكثر من ألف عام. ما زالت عليه آثار حوافر الخيل. انظر هنا.»

قرفص شين وأشار بعصا الخوخ إلى لوح حجري. كانت فيه حفرة في حجم كف، صقلها المطر حتى استدارت، لكنها أثر حافر عميق حقاً، كأن الحصان الذي وطئها يومها أفرغ فيها كل قوته.

قال الصوت: «... أراه.»

قال شين: «كم إنساناً وكم حصاناً مرّ من هنا؟ كم إنساناً مات؟ عظامهم ذابت في الطين. لعلّ ما تدوسه تحت قدميك الآن عظام أحدهم.»

سكت التابوت لحظة، ثم قال: «هل... سأصير عظاماً؟»

توقف شين ولم يلتفت. غرز عصا الخوخ عميقاً في الطين. لم تكن ثقيلة، لكن السؤال كان ثقيلاً.

قال: «الأمر بيدك.» ثم تابع السير.

رنّ الغونغ: «دانغ». وانتشر صوته في الوادي دائرة بعد دائرة، حتى لم يبق إلا الصدى كأن الجبال هي التي تجيب عنه.

عند حجر الحدود توقف شين، وتوقف الغونغ. رفع مصباحه إلى الطحلب الذي يغطي الحجر، ورأى تحته خطوطاً منقوشة. أزاح الطحلب فظهرت ثمانية رموز من كتابة السحرة. لم يعرفها كلها، لكنه عرف ثلاثة، وكانت كافية: «وو. شيان. ختم.»

ظلّت يده على الطحلب طويلاً حتى كاد لهب المصباح ينطفئ. تراجع خطوة ثم خطوتين، واستدار إلى الرجل. كان واقفاً خلف التابوت، وجهه أبيض شفافاً في الضوء.

قال شين: «ليس هذا حجر حدود، بل ختم. ختم دولة وو شيان. وهو يختم هذا الطريق. من هنا غرباً إلى جبال با، كانت هذه البقعة في القدم طريق دولة وو شيان.»

ارتجفت يد الرجل حتى كاد لا يثبت المصباح.

تابع شين: «فن ختم الروح وفن نقل الجثث أقدم من ألف عام، وأقدم بكثير من طريق الخمسة أقدام. حين وصل رجال تشوغه ليانغ إلى هنا وهم يبنون الطريق لا بد أنهم لقوا شيئاً فلم يستطيعوا التقدم. لذلك أقاموا هذا الحجر. إنه تحذير لمن يأتي من الشرق: لا تواصلوا السير. أمامكم أرض دولة وو شيان.»

كان صوته هادئاً كأنه يحكي قصة بعيدة عنه، لكن أظافره المنغرزة في عصا الخوخ حفرت علامات في عروق الخشب.

قال: «أنت لا تخاف إنساناً.»

لم ينف الرجل ولم يقر. وضع المصباح إلى جوار حجر الختم، ثم اتكأ عليه وهبط ببطء إلى الأرض؛ كرجل استسلم أخيراً، وخلع كل تمويه ومقاومة وأمل.

قال: «ليسوا بشراً.»

سمع شين العبارة، وفهم ما وراءها: خوف ليس خوف الموت، بل خوف شيء أبشع من الموت. وإذا بلغ الخوف غايته، لم يعد المرء لا يخاف لأنه شجاع، بل لأنه سلّم بالأمر.

سأله شين: «ختمت نفسك للفرار منهم، لا للاختباء من الناس. منذ متى؟»

«... ثمانية وعشرون يوماً.»

«وكم تستطيع الصمود؟»

رفع الرجل رأسه. في ضوء القمر سال خطان من الدموع على وجهه؛ لم يكونا مطراً ولا ندى، وبلغا زاويتي فمه من غير أن يمسحهما.

قال: «لا أدري. لكنهم يقتربون. أشعر بهم. كلما حلّ الليل وثقل اليِنّ اقتربوا خطوة. النهار أهون، فهم لا يخرجون فيه. أما ليلاً، فإنهم يسيرون مع اليِنّ: يِنّ نقل الجثث، ويِنّ التابوت، وما بقي في جسدي من فن ختم الروح. كل ذلك يجذبهم.»

صمت شين، وأنزل عينيه إلى عصا الخوخ التي ورثها عن معلّمه. كان معلّمه يقول: خشب الخوخ يقمع الشر. وقد قمع الشر بها عمراً؛ لكنه سأل نفسه الآن: أيمكن لهذه العصا أن تقمع ما في دولة وو شيان؟ ما كان موجوداً منذ العصور الغابرة، وما لا يعرف أحد كم عاش، وما خُتم من سحرة وو؟

لم يكن يعرف. لكنه عرف أنه لم يعد يملك طريقاً للرجوع. ولم يكن الأمر أمر هذه الرحلة وحدها؛ بل أمر عمره كله. فمنذ ناوله معلّمه الغونغ، ومنذ ركع أمام لوح السلف المؤسس، وهو مربوط بهذا الطريق. ليس طريق الخمسة أقدام، بل طريق نقل الجثث، طريق دولة وو شيان، طريق أقدم من طريق الخمسة أقدام بكثير.

سار فيه خمسة عقود وظن أن له نهاية. والآن فقط عرف أنه بلا نهاية، إلا إذا قطعه هو بيده.

---

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.