وصلوا أخيراً. لم يصلوا في اليوم الثالث، بل في الخامس.
أجهد شين تشينغشان نفسه حتى النهاية، وسار نهاراً وليلاً. تقول القاعدة إن السير يتوقف عند الفجر، لكنه لم يتوقف هذه المرة؛ غطّى التابوت بقماش أسود وسار تحت الشمس. كان يعلم عاقبة سوق الجثث نهاراً: يتبدد اليِنّ، فلا يبقى الجسد تحت السيطرة وتقع كارثة. لكن الراقد في التابوت لم يكن جثة؛ كان حياً مختوم الروح، فلا يخاف تشتت اليِنّ. ما كان يخافه هو أن ينفد الوقت.
في الفجر الخامس، بعد آخر ضربة غونغ، أبصر غابة الصفصاف خارج مدينة شيويشان. وعرف أن هذه آخر رحلة في عمره، وأنها بلغت نهايتها.
قال: «وصلنا.»
كان صوته مبحوحاً لا يكاد يشبه الصوت. لم يشرب ماء يوماً كاملاً، ومشى يومين من غير أن يجرؤ على التوقف؛ تشققت شفتاه وتألّم مع كل كلمة، لكنه كان لا بد أن يقولها ليسمعه من في التابوت. لقد وفى.
رفع غطاء التابوت. كانت هذه المرة الخامسة التي يفتحه فيها؛ أولها عند نهر يوان قبل أكثر من عشرين يوماً. يومها كانت لديه تعويذة وورقة نجاة، أما الآن فقد احترقت كلها. لكنه لم يندم، لا لشيء إلا لأجل الرجل في التابوت، الغريب الذي لا قرابة بينهما، بل الذي لم يعرف حتى اسمه الحقيقي. فبعض ما يسكن القلب أهم من الاسم.
قال وهو يلهث، والجملة تنقطع منه ثلاثاً: «أنت من قلت إنك حين نصل شيويشان ستخرج بنفسك.»
أومأ الرجل، ودخل التابوت وانحنى ومد يده إلى نفسه الأخرى. رفعها برفق كأنه يحمل طفلاً أو خزفاً هشاً، وأجلسها مسندةً إلى كتفه. ثم وضع أصابعه المرتجفة على جبهة الآخر، جبهته هو، وتمتم بكلمات لا تكاد تُسمع؛ بدت كلسان السحرة، أو كدعاء، أو كجملة عادية جداً.
شعر شين فجأة أن شيئاً ينفك؛ لا في جسده، بل في الراقد. كانت القشرة الخفية التي حبسته قرابة شهر تتشقق.
تحرك الرجل في التابوت، لا حركة ختمٍ ينحلّ من تلقائه، بل حركة إرادة. رفع يده وأمسك اليد الموضوعة على جبهته. تشابكت اليدان بإحكام، يدان متطابقتان في الهزال والطول وبروز المفاصل، وعشّقت الأصابع فوق الصدر، كأن إنساناً يودع نفسه للمرة الأخيرة.
فتح الراقد عينيه، وظل ينظر إلى الآخر طويلاً، كأنه ينظر في مرآة وإلى ذات مختلفة في آنٍ واحد.
قال: «اذهب.»
كان صوتاً خافتاً، لكنه واضح.
لم يذهب الرجل، بل زحف إلى داخل التابوت وتمدد إلى جوار نفسه الأخرى. وجهان متماثلان وثوبان متماثلان ووضع واحد، واليدان ما زالتا متشابكتين على الصدر.
نظر إلى شين، والدمع على وجهه لكن ابتسامة واهنة في طرف فمه. «يا عم، أطبِق الغطاء.»
قال شين: «ماذا؟»
«أطبقه.»
لم يتحرك شين. وضع يده على حافة التابوت وغرز أصابعه في خشب التنوب حتى ابيضت أظافره. «لقد جننت.»
قال الرجل بهدوء مخيف: «لم أجن. فكرت في الأمر طيلة الطريق. أنت محق، كنت أهرب. هربت ثلاث سنين ولم أنم نوماً كاملاً، وختمت نفسي أكثر من عشرين يوماً، وظننت أنني سأختبئ وأن سيتشوان ستمنحني حياة جديدة. لكنهم سيجدونني. مهما ابتعدت، ما دمت حياً وما دام دمي باقياً، سيجدونني دائماً.»
التفت إلى نفسه المختومة، وصار نظره رقيقاً كأنه ينظر إلى أقرب صديق، أو إلى أقرب أهل؛ وهو في الحقيقة ينظر إلى نفسه.
«لذلك لا أستطيع الخروج. إن خرجت تبعوني إلى شيويشان وسيتشوان وكل مكان أبلغه. لا أستطيع أن أحمل هذا الأمر إلى الناس هنا، ولا إليك. لقد أحرقت من أجلي تعويذة.»
تحركت تفاحة آدم في حلق شين، وانسد الكلام فيه. عاش ثلاثة وسبعين عاماً، وكانت تلك المرة الأولى التي لا يجد فيها كلمة.
قال الرجل: «سأختم نفسي هنا حتى يفنى الدم من سلالتي، حتى لا يستطيعوا أن يجدوني. هذا التابوت هو مأواي. وغابة الصفصاف مكان جميل: هادئ، كثير الأشجار، لا يقطع أحد أشجارها؛ فإذا هبت ريح طيبة امتلأ الهواء بزغب الصفصاف. خير من أن أموت في البيت.»
نظر شين إلى الرجل الثلاثيني وهو يتكلم عن موته كما لو كان يتكلم عن رحلة بعيدة.
ثم سأله الرجل فجأة: «هل تعرف أصل فن نقل الجثث؟»
هز شين رأسه. كان يعلم أنه جاء من وو شيان، لكن معلّمه ومعلّم معلّمه، وعلى امتداد تسعة أجيال، لم يعرفوا كيف بدأ. كل ما عرفوه هو النقش على لوح السلف: «سلف نقل الجثث من دولة وو شيان».
قال الرجل: «اسمه الحقيقي فن ختم الروح في الحي.»
تجمد شين. وأخرج الرجل من صدره كتاباً مخيطاً ممزقاً، صفحاته صفراء كورق الخريف تكاد تنهار من اللمس. «ليس ما استعملته أنا لختم نفسي؛ ذاك شكل متأخر منه. ورثت أسرتي هذا الكتاب، اسمه “بحث في ختم الروح”. كتبه مؤرخ هرب حين سقطت وو شيان. لم يصلني منه إلا نصفه، فقد أكل السوس نصفه الثاني. وفي النصف الباقي قصة نشأة الفن؛ وهو ما تعلم منه سلفك.»
ثم قال إن سحرة وو شيان الكبار استعملوا أول فن لختم الروح في ساحات الحرب. قبل أن يخرج الجنود، يختمون أرواحهم في أجسادهم: فلا يخافون الجراح، ولا يحسون بالألم، ولا يهربون ولا يستسلمون. يضرب السيف الجسد فلا يتألم، ويدخل الرمح البطن فلا يسقط، بل حتى إن قُطع الرأس ظل الجسد يتقدم. لم يكونوا موتى؛ بل أحياءً ختمهم السحر.
سرى البرد في ظهر شين.
تابع الرجل: «ثم اتحد أعداء وو شيان وأبادوها، فختم ملك البشر كبار السحرة الباقين في هذا الطريق. حدث ذلك منذ آلاف السنين. لكن فن ختم الروح لم يندثر؛ تسرب إلى العامة، وتحوّل عبر آلاف السنين وضعف. صار فن ختم الأحياء فن سوق الجثث، وهذا خير، خطوة نحو التحضر. لكن سحرة الختم يملكون النسخة الأصلية. فإذا خرجوا...»
لم يكمل. لم تكن هناك حاجة.
فهم شين أخيراً لماذا رحل شياو ليو. كان سريع التعلم، وحين نفذ إلى لب الصنعة اكتشف أن أصلها منحرف. ركع أمام المعلّم وقال إن هذه الحرفة لا ينبغي أن تورَّث. لم يكن يخونهم، بل كان ينقذ: معلّمه ونفسه وكل من قد تجرّه هذه الحرفة إلى مصيرها.
ناداه الرجل: «يا عم.»
فتح شين عينيه فوجد زاويتيهما مبتلتين. ظن، وهو في الثالثة والسبعين، أنه لم يعد يبكي، لكنهما ابتلتا.
قال الرجل: «أطبقه عليّ.»
كان الاثنان في التابوت، متشابهين، يد بيد وكتف بكتف، ساكنين كأنهما ينتظران غطاءً.
ظل شين واقفاً طويلاً، حتى تسرب ضوء الشمس من شقوق أغصان الصفصاف إلى وجهه دافئاً كيد شيخ تربت عليه. وتذكر كلمات معلّمه: ما تسوقه ليس بالضرورة جثة.
أجل، ليس بالضرورة جثة. قد يكون حياً، أو سلالة، أو ختماً موروثاً آلاف الأعوام، أو قد يكون الإنسان نفسه.
وضع عصا الخوخ إلى جوار التابوت، ووضع الغونغ إلى جواره، ولم يضعهما داخله. فالغونغ مرآة تشكيل قد تصد سحرة الختم قليلاً، وتبقي عن الرجل الذي اختار التمدد في التابوت أياماً أكثر هدوءاً في غابة الصفصاف، حيث يرقد بسلام ويصير حياً ميتاً.
رفع الغطاء. كان ثقيلاً على نحو لم يشعر به من قبل، أثقل من جثة بكثير. ففي داخله شخصان متطابقان، وإن كانا في الحقيقة شخصاً واحداً. لكن شين رآهما شخصين: تشو وِنيوان الذي خاف وهرب ثلاث سنين ثم اختار المواجهة، وتشـو وِنيوان الذي خُتم قرابة شهر، ورقد في الظلام قرابة شهر، ومع ذلك استطاع أن يقول «اذهب».
اجتمع تشو وِنيوانان الآن، وسيبقيان معاً.
هبط الغطاء.
دوّى صوت مكتوم، فطارت طيور غابة الصفصاف كلها دفعة واحدة، رفرفت وصعدت إلى السماء، ثم تفرقت سريعاً في ضوء الصباح.
لم يبق في الغابة الخالية إلا رجل وتابوت، وناقل جثث عجوز في الثالثة والسبعين يقف تحت الصفصاف، شعره مبيض، والغونغ وعصا الخوخ عند قدميه. وضعت يداه العجوزتان على الغطاء ولم ترتفعا عنه زمناً طويلاً.
لم يدفن شين التابوت. ترك العصا والغونغ بجانبه، ثم استدار ومشى وحده شرقاً، نحو غربي هونان، بلا غونغ ولا عصا خوخ ولا تعويذة.
بقي التابوت في الغابة ساكناً. كان من خشب تنوب غير مطلي، أبيض تحت خضرة الصفصاف كصخرة ضخمة؛ لا، كشرنقة هائلة. وربما يخرج من فيها يوماً من شرنقته، وربما لا. أما الآن، فهكذا انتهى الأمر.
كانت تلك آخر رحلة له: لم يسق فيها جثة، بل ساق قدر إنسان حي إلى نهايته. لم تكن النهاية في سيتشوان، بل في غابة الصفصاف، في تابوت، وفي اختيار إنسان لنفسه.
عند طرف الغابة توقف شين والتفت. لم ينظر إلى التابوت، بل إلى الصفصاف المتمايل في الريح. تذكر قول الرجل إن زغب الصفصاف يملأ السماء، وإن ذلك خير من الموت في البيت.
ابتسم شين. لم تكن ابتسامة مريرة، بل ابتسامة ارتياح رجل أتم آخر رحلة في عمره. لكنه تجمد في منتصفها؛ إذ تذكر أن الراقد في التابوت لم يقل قط ما اسمه. كان «تشو وِنيوان» اسم الرجل الذي كان خارج التابوت. أما الاسم الحقيقي للراقد فلا أحد يعرفه، ولعله نسيه هو أيضاً.
فتح شين فمه يريد أن يقول شيئاً، وفكر طويلاً ثم لم يقل. لا بأس. الاسم لا يهم. المهم أنه اختار أن يرقد هناك، وهو من قال «اذهب»، وهو من دفع نفسه خارج التابوت. وهذا يكفي.
خاتمة
بعد ثلاثة أشهر، في تشنتشو، جلس شين تشينغشان في القاعة ونظر إلى لوح السلف الذي كُتب عليه: «مقام سلف نقل الجثث من دولة وو شيان».
صار يعرف من هو السلف. لم يكن رجلاً واحداً، بل جماعة: آخر كبار سحرة وو شيان، الذين تشتتوا بين الناس بعد سقوط دولتهم. غيّروا فن ختم الروح وأضعفوه وحولوه إلى فن نقل الجثث، وورثوه للعامة. قالوا للناس إنه حرفة لسوق الموتى، لكنه كان في الحقيقة عهداً امتد آلاف السنين: إذا رخا الختم وأرادت الأشياء المحبوسة أن تخرج، فعلى الورثة أن ينهضوا ويفعلوا ما ينبغي فعله عن أسلافهم.
والآن رخا الختم. وآخر نسل أسرة تشو يرقد في تابوت غابة الصفصاف، مستخدماً دمه الأخير ليضيف ختماً. ربما يدوم عشرات السنين أو مئاتها، وربما بضع سنوات فقط. لكن، أياً كان، فقد وقف أحدهم.
لم يكن شين هو ذلك الرجل، لكن الأمر كان منه أيضاً. هو الذي ساق التابوت إلى شيويشان، وهو الذي بتعويذة معلّمه أجبر ساحر الضباب على التراجع، وهو الذي أطبق الغطاء بيده، وترك غونغه وعصا الخوخ في الغابة.
أنزل لوح السلف ووضعه على مائدة القرابين، وأشعل ثلاث عيدان بخور وغرسها في المبخرة. تصاعد الدخان متلوياً، وعبر العوارض إلى السقف ثم تلاشى. نظر إلى الكلمات على اللوح؛ كانت ضربات الخط عتيقة، كأنها حُفرت بسكين في العظم: دولة وو شيان، سلف نقل الجثث.
وقال بصوت ثابت كحجر يغوص في الماء: «في حياتي سقت ثلاثمائة واثنتين وسبعين رحلة. في الأخيرة لم أسق جثة، بل إنساناً حياً. دخل التابوت بنفسه. لم أستطع منعه، ولم أرد أن أمنعه. أحياناً يحتاج البقاء حياً إلى شجاعة أكبر من الموت. الراقد هناك ليس ميتاً، بل رجل شجاع، أشرف مني. بلغت الثالثة والسبعين قبل أن أفهم ذلك. والآن وقد فهمت، لم أعد أخاف.
يا معلّمي، قطع تلميذك شين تشينغشان أكثر من خمسين عاماً في طريق ملتوي. والآن... جعل الطريق مستقيماً.»
غرس البخور، وتراجع خطوة ونظر إلى النار والدخان واللوح الذي رآه ما لا يحصى من المرات. ثم ركع العجوز وسجد ثلاثاً.
دوّى جبينه على الأرض ثلاث مرات، ببطء وثبات، كأنه يدكّ بها خمسين عاماً من العمر في التراب.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.