كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/11 · شبح الماء يبحث عن بديل
الفصل السابق

11 · شبح الماء يبحث عن بديل

ما وراء الليل

الفصل التالي

اسمي لين دو، في السادسة والعشرين، ومهنتي مختبِر مبيت في البيوت المشؤومة.

ردّ الناس حين يسمعون بالمهنة للمرة الأولى متشابه: يبهتون قليلاً، يقطّبون، ثم يتراجعون نصف خطوة، لا عن قصد بل بالغريزة، كأن فيّ شيئاً غير طاهر. في سوق العقارات البيت الذي وقعت فيه جريمة مشكلة كبرى؛ لا يُباع ولو خُفّض سعره ثلاثين في المئة. فاهتدى المطوّرون إلى حيلة: ينام فيه شخص ليلة ليثبت أنه آمن، ويصوّر في الصباح مقطعاً وهو يأكل نودلز في الصالة، يصب الماء الحار ويحرّك بالشوكة ثلاث مرات، ثم يبتسم مرتاحاً وهو يمتصّها. يلتقط سيلفي في الشرفة وخلفه قميص أبيض يرفرف، وينشره بعنوان: «مجرّب بنفسي، آمن». فيحوّله قسم التسويق إلى ملصق عند مكتب المبيعات: «مختبِر البيت المشؤوم جرّبه بنفسه: صفر ظواهر غريبة»، بخط عريض وحافة حمراء.

الليلة بثلاثة آلاف يوان، وأحياناً خمسة. كلما كانت الجريمة أفظع ارتفع الأجر: خمسمئة إضافية للشنق، وثمانمئة للقفز من علو، والقتل الجماعي يضاعف الثمن؛ وإن كان الميت طفلاً ارتفع أكثر. كان الوسيط لاو تشو يقول ذلك كأنه يسعّر لحم الخنزير. لم أكن أختار. ثلاث سنوات وأنا أقبل كل شيء.

لاو تشو شريكي الثابت: يتلقى الطلب وأنا أحضر. في الأربعينيات، أصلع وبطنه بطن جعة، وسلسلة ذهب في عنقه لا أدري أهي حقيقية. لا يلبس إلا قميص بولو مرفوع الياقة، ويقرع الطاولة بإصبعه وهو يتكلم. في هاتفه أكثر من ثلاثمئة مجموعة وساطة، وكل واحدة اسمها «لاو تشو يضمن الصفقة». سبعة عشر بيتاً مشؤوماً وسبع عشرة ليلة، ولم أفشل مرة.

قبلي جرّب لاو تشو ثلاثة. الأول، واسمه ليو، كان حارس أمن؛ بات ليلة ثم رفض أن يعود. وجده لاو تشو في غرفته المستأجرة، منكمشاً على السرير في وضح النهار والنور مضاء، ترتجف يده فلا يصيب قدّاحته رأس السيجارة. وقال أخيراً: «لم تكن تلك عيون بشر». الثاني طالب جامعي، عمل في ثلاثة بيوت، وفي الرابع اتصل بلاو تشو عند الثالثة وأربع عشرة دقيقة فجراً. لم يكن في الهاتف إلا لهاث، لا لهاث ركض بل لهاث المطارد. الثالث عسكري متقاعد، أنجز أحد عشر بيتاً. في الثاني عشر أضاءت مصابيح الدرج من الطابق السادس، طبقة بعد طبقة إلى أسفل، واقترب وقع أقدام. انفتح الباب الحديدي باصطدام، فخرج راكضاً بحذاء البيت وقرفص تحت مصباح الشارع. كانت ركبتاه تهزّان جسده كله، وباطنا قدميه ينزفان من الركض، ولم يكرر إلا: «إنهم ينظرون إليّ».

لم أصدّق تماماً حين حكى لاو تشو ذلك، لكنني لم أكذّبه تماماً أيضاً.

نشأت في قرية. كانت جدتي بوذية تضع تمثال غوانيين خزفياً في البيت؛ انكسر إصبعه ذات مرة فألصقته بغراء أبيض. قالت: «في الدنيا أشياء يجوز ألا تؤمن بها، لكن لا يجوز ألا توقّرها». كانت تأخذني لأنحني في الجنازات. في قاعة العزاء تابوت بلا جثمان، فالجثمان في محرقة بعيدة؛ غطّاه حرير أصفر وفوقه صورة الميت. طلبت مني أن أقول للتابوت الفارغ: «وداعاً يا جدّي». قلت: «لا أحد في التابوت». فكمّمت فمي بيدها الجافة النحيلة، وعظامها تضغط شفتي.

«لا تقل هذا. إنهم يصغون.»

يصغون. بقيت الكلمة في ذاكرتي سنوات. كلما دخلت بيتاً مشؤوماً خرجت من أعماقها، لكنني لا ألتفت إليها. أغلي الماء، أنقع الشاي، أصوّر الفيديو، أطفئ الهاتف، ثم أغمض عيني. لا أنظر إلى زوايا العتمة، ولا أسمع إن كان في الجدران صوت، ولا أشمّ إن كان في الهواء رائحة لا تخص الغرفة. هذا سرّي: ليست شجاعة، بل بلادة كافية.

لي نظام في هذه المهنة. عند الدخول أشغّل كل الأنوار: ثريّا الصالة، سقف غرفة النوم، أنبوب فلورسنت المطبخ، ومصباح المرآة في الحمام. لا للتشجّع، بل لأصنع جوّاً يقول إن أحداً يسكن هنا. أمرّ في كل غرفة بمشية عادية ونَفَس عادي. كانت جدتي تقول: «كثرة الأدب لا تضر الناس، ولا تؤذي الأشباح كذلك».

ثم أغلي إبريقاً أبيض بلاستيكياً، يضيء فيه مؤشر أحمر. يبدأ بهمسة كهرباء، ثم تصعد الفقاعات من القاع، حتى يغلي الماء ويقفز المفتاح: طق. أصبّه في كوب وأضع كيس شاي ليبتون، أغلفته صفراء، وخيطه متدلٍّ على حافة الكوب، ووسمه الورقي يهتز في البخار.

أثبّت الهاتف وأصوّر خمس عشرة ثانية لمجموعة العمل: «وصلت، كل شيء طبيعي، أراكم غداً». ثم أطفئه؛ ليس وضع الطيران، بل إطفاء حقيقياً: أضغط زر الطاقة، أسحب على الشاشة من اليسار إلى اليمين، فتصير سوداء. أطفئه لأوفّر البطارية.

ليس لأنني خائف. ليس ذلك.

لكن بيت الليلة، الثامن عشر، يختلف. لا لحدس، بل لحقيقة موضوعية.

يقع في منطقة المصانع القديمة شمال المدينة. في التسعينيات كانت صاخبة: مصنع آلات، نسيج، كيماويات، تعليب، ومجمّعات شركات الدولة. عند السابعة والنصف كل صباح كان مكبر الصوت عند البوابة يبث تمارين الإذاعة، وآلاف العمال بالأزياء الزرقاء يرفعون أذرعهم ويخفضونها كموجة مصنوعة من البشر. ثم جاء الإصلاح، فأُغلق مصنع بعد آخر. هُدمت الورش، وبقيت عمارات السكن: مبانٍ من الطوب الأحمر من ست طبقات، بلا مصاعد، ممر في الوسط وغرف على الجانبين. عند الطعام كان الممر يمتلئ بروائح الفلفل المقلي والسمك المقلي والضلوع المطهية، روائح مختلطة لا تفصل بينها.

أما الآن فأغلب تلك العمارات فارغ.

تقع هذه العمارة في أقصى المنطقة قرب سكة حديد مهجورة. بيت الطابق السادس. الطبقات الثلاث الأولى خلت، زجاج نوافذها نصفه مهشّم، وعلى الجدار كلمة «هدم» حمراء تسيل طلاؤها كدموع. في الرابع والخامس بضع عائلات متمسكة بالبقاء، وستائر معتمة مسدلة بإحكام، تجعل النهار كالليل.

وقفت أسفل المبنى قبل أن أصعد. كانت نافذة الطابق السادس سوداء، الوحيدة السوداء تماماً، ويتدلّى من إطارها مشجب فارغ يدور في الريح: دورة ثم سكون ثم دورة، كمن ينتظر ثياباً منذ زمن حتى نسي صاحبها.

الدرج ضيق لا يتسع لشخصين جنباً إلى جنب. الجدران نصفها أخضر ونصفها جير أبيض، والطلاء الأخضر يتقشّر. إعلانات صغيرة تعد بفتح المجاري وشراء الأجهزة القديمة وإصدار الشهادات. مصابيح الحسّاس معطّلة: طابق مضاء وطابق مظلم. تدوس وتصفق فلا تستجيب، وأحياناً تمرّ هادئاً فتضيء فجأة، ثم تنطفئ فجأة.

كان نور الطابق الأول معطلاً، فأضأت كشاف الهاتف وصعدت. في الثاني اشتعل أنبوب أبيض شاحب يجعل الممر أشد بياضاً من النهار، لكنه بياض بارد كبياض ممر المستشفى؛ تحس فيه أن ظلك أسود وأثقل وأحدّ. في الثالث أضاء المصباح أيضاً، لكن حين بلغت الزاوية انطفأ ضوء الثاني فجأة، وابتلعت العتمة الدرج بسرعة كأن سائلاً أسود رشح من الجدار.

في الرابع كان الظلام، فهزمت دائرة الكشاف الجدار: سقط الطلاء عن مساحة كبيرة وظهر الطوب الأحمر، وفي شقه لمعة. اقتربت فإذا شظية زجاج خضراء، قاع زجاجة جعة. في الخامس أضاء النور، لكن قبل أن تطأ قدمي الدرج؛ كأن أحداً سمع صعودي فشغّله لي.

في السادس كان المصباح مطفأ. أضاء الكشاف الرقم 601. بجانبه بقعة بيضاء أكثر من الجدار، كأن ورقة زينة حمراء كانت ملصقة ونُزعت، وبقي جزء منها عليه نصف حرف، سقف رمز «الأمان». بين الإطار والباب شق يسع بطاقة مصرفية. لا نور ولا صوت منه، فقط رائحة حلوة مُرّة، كرائحة بخور نقود الورق بعد احتراقها.

وقفت عند الباب. أضاء الكشاف الداخل: تقشّر جدار الصالة على هيئة صفائح كاملة تكشف الطوب الأحمر، وإسمنت الشقوق متفتّت. الغبار على الأرض ليس طبقة رقيقة بل سنون متراكمة، تترك القدم فيه أثراً غائراً كالثلج.

وفوقه آثار أقدام ليست لي؛ قدماي ما زالتا خارج الباب. آثار كثيرة، بأحجام مختلفة، في اتجاه واحد من المدخل إلى الصالة، في صف كأنه مقاس. تتراكب بعض الآثار: وقف الأول ثم مرّ التالي خلال جسده، طبقات عميقة وفاتحة.

دخلوا، ولم تخرج لهم آثار.

تبعت آثار الأقدام بالكشاف. حيث تنتهي، في وسط الصالة، طاولة شاي خشبية عليها كوب مينا قاعه مغطى بترسّب بني، وإلى جانبه أريكة قماش عليها بصمة داكنة ليست ماءً بل دهن جسم تشربه القماش من جلوس طويل، على هيئة ظهر ومقعدة إنسان.

لم يكن على الأريكة أحد الآن. لكن الآثار دخلت ولم تخرج.

تراجعت خطوة، ومررت أطراف أصابعي على إطار الباب فشعرت بأخاديد. نظرت: كلمات محفورة بسكين كهربائي، عميقة ضربة بعد ضربة، لا كتابة عابرة ولا إعلان: «لا تدخل».

كانت الخدوش قديمة، غير أن الضربة الأخيرة بلا غبار وتكشف أصفر الخشب البني الأملس من كثرة اللمس. لم يُمسح الغبار، بل مرّ إصبع على الشق ذهاباً وإياباً. من كان يلمس الكلمات؟ هل ندم من حفرها؟ أم من رآها ولم يرحل، وقف متردداً عند الباب يداعبها بلا وعي؟

كان ينبغي أن أرحل؛ ثلاثة آلاف لا تستحق حياة واحدة. لكنني في ثلاث سنوات قضيت سبعة عشر بيتاً آمناً. قال زملائي إن طاقتي «يانغ» تحرس البيت، وقال لاو تشو إنني نجم حظ البيوت المشؤومة. لا هذا ولا ذاك. الحقيقة أنني كنت ضجِراً، لا ضجر من لا عمل له، بل ضجر من يكرر العمل نفسه ثلاث سنوات، ينتظر أن يحدث شيء فلا يحدث. كحارس ليل ينتظر الشبح ألف ليلة فلا يأتي؛ يشك أخيراً إن كانت الأشباح موجودة أصلاً، ثم لا يعود يخاف، بل يرغب أن يراها ولو مرة ليثبت أن السنوات لم تذهب سدى.

أردت أن أتأكد فقط: هل يوجد شيء أم لا؟

فدفعت الباب ودخلت.

وبحسب العادة صوّرت مقطعاً للمجموعة. رفعت الهاتف نحو وجهي وكانت الصالة في الخلفية. عندها رأيت: الأريكة في شاشة الكاميرا فارغة، أما بعيني فلم تكن فارغة.

أوقفت التصوير. اسودّت الشاشة، وعادت الصالة إلى العتمة، لكنني رأيت، ومن رأى لا يستطيع التظاهر بأنه لم ير.

كان هناك ثلاثة جالسين. لا، أكثر.

عند النافذة رجل عجوز منحني الظهر ويداه خلفه، يواجه الخارج حيث البناية المقابلة سوداء. وفي الزاوية شخص قرفص يعانق ركبتيه ويدفن وجهه، لا يظهر سوى شعر رمادي كزغب الهندباء. ومن خلف إطار المطبخ نصف وجه امرأة، حاجباها رفيعان مقوّسان وقد رُسم نصفهما فقط. في الشرفة يتأرجح المشجب مع أن النافذة مغلقة؛ تحته ظل يرفع رأسه إليه. وفي زاوية المطبخ هيئة قصيرة تحرّك شفتيها بلا توقف، لا تتكلم بل تتلو تعويذة.

باب الحمام موارب، وفي شقه شخص لا يظهر منه إلا نصفه الأيسر؛ الأيمن خلف الباب في الظلام.

وآخر إلى يميني، على أقل من متر.

يرتدي بدلة عمل زرقاء باهتة لا من قدمها بل من غسلها سنوات. ياقة أزرقها أفتح قليلاً من الكتفين لأنها فُركت أكثر. أكمامه مرفوعة حتى المرفق، وعلى ساعديه ندوب متقاطعة، الجديد فوق القديم. عند إبهامه وسبابته أثخن الكالو، لا من الكتابة بل من مسك الأدوات دهراً. وجه مربع لرجل في الأربعين، حاجبان كثيفان ينضغطان نحو المنتصف فيصنعان خطاً عمودياً، شفتان شاحبتان، وندبة في جبينه ليست قطعاً ولا سقوطاً بل أثر جسم صلب ذي زاوية كليلة شق الجلد وغار العظم تحته.

تكلم تشاو تيشنغ. لم تتحرك شفتاه ولا أزرار بدلته، لكن الصوت ظهر من داخل أذني، مكتوماً كأنه وراء ماء، واضحاً مع ذلك، وبهدوء من انتظر طويلاً:

«أتيت أخيراً. انتظرناك زمناً طويلاً.»

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.