تذكرت لاحقاً رد فعلي. أي إنسان طبيعي يصرخ ثم يهرب؛ فعلها الأول والثاني، والثالث ركض من السادس إلى الشارع بحذاء البيت حتى تسلخت قدماه. أما أنا فلم أتحرك، لا لشجاعة، بل لأن ساقيّ لم تعودا تطيعان. من الركبتين إلى أسفل كأنهما صُبّتا بالإسمنت: ليستا باردتين بل ثقيلتين. قدماي في الحذاء، لكن أمر الدماغ برفعهما ينقطع عند الخصر. ويداي أيضاً لا تتحركان، أصابعي الخمس تقبض الهواء حتى ابيضّت المفاصل.
لم يبقَ إلا مقلتاي تدوران، لا بحرية بل كترس عالق يحتاج جهداً لكل حركة. من اليسار إلى اليمين، أقف عند الأريكة ثم النافذة فالزاوية، وكل توقف يعدّه دماغي.
واحد: الرجل ببدلة العمل على الأريكة، ولم أكن أعرف بعد أنه تشاو تيشنغ. ثلاثة: العجوز المنحني عند النافذة ومن يعانق ركبتيه؛ يرتدي الأول بدلة ماو رمادية داكنة ذات أربعة جيوب، والثاني معطفاً قطنيّاً قديماً يتسرب حشوه من كتف ممزق. سبعة: على الأريكة أيضاً ثلاثة؛ امرأة بمنشفة وشعرها المبلل يقطر، وفتاة شابة مطرقة يغطي شعرها وجهها، ورجل وجهه محروق. اثنا عشر: نصف الوجه خلف المطبخ، ونصف الجسد عند الحمام، والظل في الشرفة، والقصير الذي يلهج، وأربعة في الزوايا لا يرفعون رؤوسهم ولا ينظرون إليّ. سبعة عشر. ومع من ظهر خلف إطار المطبخ: ثمانية عشر.
لا يزيدون ولا ينقصون، كأن أحداً جمعهم.
تقدم الرجل ذو البدلة خطوة. حط باطن قدمه على الغبار بلا صوت ولا أثر، وعبره الضوء المستقيم إلى الحائط. لم يكن له ظل، ولم تتغير ذرة من الغبار حيث وقف.
رأيت وجهه بوضوح: لحم خديه هزل وعظماه بارزان، شفاهه رمادية بيضاء لا حمراء ولا بنفسجية، وعيناه متناسقتان في الشكل والمسافة لكن لا نور فيهما؛ ليس فراغاً، بل شيء ممتلئ حلّ محل النور. اسمه العَجَلة، لا قلقاً عادياً، بل عجلة من انتظر سنوات ما ينتظره، فوجده ويخشى أن يفلت.
فتح تشاو تيشنغ فمه: «اسمك لين دو».
برد عمودي الفقري فقرة فقرة من العصعص. كان يعرف اسمي.
«أقمت في سبعة عشر بيتاً. الأول: 602 في الطابق السادس من سكن مصنع النسيج شرق المدينة. مصباح الباب يعمل بالصوت، دستَ كثيراً فلم يضئ، ثم وجدت المصباح مفكوكاً نصف لفة فأحكمته. الثاني: 401، المبنى الثالث، حدائق الجنوب. في الصالة إناء زهور اصطناعية، ورود حمراء بلاستيكية؛ مسحتَ كل بتلة بقطعة قماش وطويتها مربعاً عند زاوية الطاولة. الثالث: بيت مبني ذاتياً في القرية داخل المدينة غرباً، قرب شجرة صفصاف قديمة. لم يكن فيه مكيف، فقمتَ مرتين ليلاً لتستحم بماء بارد.»
ثم عدّ البيوت، واحداً واحداً، إلى السابع عشر. كل عنوان دقيق، وبعض التفاصيل نسيتها أنا. المصباح المفكوك نصف لفة لم أعد أتذكره إلا الآن، والورود الاصطناعية لِمَ مسحتها؟ لعلني كنت ضجِراً. لكنه رآها، هم جميعاً رأوها.
وفجأة فهمت. مات شخص في كل بيت، وليس الشخص نفسه. هؤلاء أمامي، الجالسون والواقفون والقابعون، كانوا يزدادون واحداً مع كل بيت نمت فيه. لم يظهروا لأول مرة في البيت الثامن عشر؛ تكوّن الصف واحداً بعد آخر، وحين اكتمل سبعة عشر صار هذا البيت نقطة اجتماعهم، حيث انتظروني.
تكلمت المرأة عند النافذة من دون أن تستدير، وصوتها يمر من خلف كتفيها ومن خلال شعرها المبتل والقطرات عند أطرافه: «كنت أسكن في حدائق الجنوب، المبنى الثالث 401. كان بيت زواجي الجديد.»
اسمها تشو بينغ. ماتت في الحادية والثلاثين، لكن وجهها أصغر، لا من عناية بل لأنه لم يعرف شمساً ورياحاً؛ جلدها أبيض كجلد من نقع طويلاً في حوض، وأصابعها مجعدة كالبرقوق المجفف.
كان يوم الذكرى الأولى لزواجها. زوجها في موقع بناء بجبال الجنوب الغربي، حيث الإشارة سيئة. اتصلت صباحاً فلم يصلها، وأرسلت عصراً: «أتذكر ما اليوم؟» فلم يجب حتى المساء: «الإشارة سيئة؛ نتكلم الليلة». انتظرته حتى التاسعة ثم ذهبت لتستحم، ووضعت الهاتف قرب المغسلة على أعلى صوت. حين غسلت شعرها وغمضت عينيها سمعت تنبيه ويتشات، رسالة لا مكالمة، وكانت يداها مبللتين فلم تستجيب الشاشة، فقالت لنفسها ستراها بعد الانتهاء.
كان سخان الغاز قديماً في المطبخ ويمد أنبوباً إلى الحمام. النافذة مغلقة، فتسرّب الغاز. أغلقت الماء بعد غسل رأسها ومدّت يدها إلى المنشفة فتوقفت في نصف الطريق؛ لانتا ساقاها أولاً وانحنت ركبتاها إلى الأمام ثم هوت. اصطدم مؤخر رأسها بعتبة الباب، وشعرها المبلل على البلاط، والماء يسيل من أطرافه أبطأ فأبطأ ثم توقف.
في اليوم التالي شم الجيران الغاز فاتصلوا بالشرطة. حين كُسر الباب كانت قد تيبست، ملفوفة بمنشفة وردية مطرزة ببطّين متعانقين. هاتفها على المغسلة بلا بطارية. والرسالة التي لم ترها منه: «زوجتي، عيد زواج سعيد. لا إشارة في الجبل، صعدت القمة لأرسلها. حين أنزل أتصل بك». نزل واتصل، فلم تجب. ولم تجب بعدها أبداً.
أطلق العجوز في الزاوية همهمة من حنجرته، كصنفرة تخدش خشباً، صوتاً جافاً تراكم عليه غبار الصمت: «كنت أسكن 602 في سكن مصنع النسيج شرقي المدينة. وحدي. لم يجدوني إلا بعد موتي بنصف شهر.»
اسمه وي تشانغقنغ، عامل نسيج متقاعد. قبل إغلاق المصنع كان يصلح الأنوال، اثنان وثلاثون نولاً يعرف عطل أيّها بلمسة. بعد التقاعد غسل يديه، لكن لمس كل شيء صار غريباً: وعاء الأرز أملس أكثر من اللازم، مقبض الباب بارد، ووجهه بلا إحساس. ماتت زوجته مبكراً بسرطان الثدي، وأولاده في شنتشن وهانغتشو يعودون ثلاثة أيام في رأس السنة. كان قلبه مريضاً، مرض الشيخوخة العادي: عضلته لا تعود تضخ جيداً. دواؤه في زجاجة بيضاء على المنضدة بجوار السرير.
في العاشرة أطفأ النور وتمدد، فضاق صدره. لم ينفعه أن يتقلب، وتحول الضيق إلى ألم يسري نحو كتفه الأيسر. حاول بلوغ الدواء، وارتجفت يده، فبلغ حافة المنضدة وخدش طلاءها الأبيض بظفره لكنه لم يبلغ الزجاجة. تدحرج من السرير على ظهره، وسقطت الزجاجة أيضاً وتدحرجت تحته، على بعد ذراعين تقريباً.
ذراعان. ذراع كاملة ونصف. مدها تحت السرير فلمس كتل الغبار وجورباً قديماً وقطعة نقدية صدئة، لا الزجاجة. لم يصل. حين مات ظلّت عيناه مفتوحتين نحو الدواء.
بعد خمسة عشر يوماً وجده الجيران: أربع جرائد عند الباب لم يلتقطها، وعلبتا حليب طازج فسدتا في الصندوق. رأوه ممدداً وذراعه تحت السرير في وضع الطلب، حافظاً عليه خمسة عشر يوماً.
رفعت الفتاة الشابة على الأريكة رأسها. كان شعرها طويلاً أسود كالحبر، وانزلق عن نصف وجه أبيض كورقة، تحت عينها شامة دمعة صغيرة، وبقعة كدمة زرقاء بنفسجية من يمين الشفة إلى الذقن كزهرة ذابلة. قالت تشن نينيان بصوت حاد قصير كزجاج يجرح الإسمنت ثم يتكسر في منتصف العبارة: «كنت في بيت مبني ذاتياً بالقرية داخل المدينة غرباً. قُتلت في بيتي.»
كانت في الثانية والعشرين، أول عام بعد تخرجها، درست التجارة الإلكترونية وعملت تشغيل منصات في شركة إنترنت براتب أربعة آلاف وخمسمئة يوان. ماذا يستأجر ذلك في المدينة؟ غرفة واحدة في بيت مبني ذاتياً: سرير مفرد، مكتب كمبيوتر، خزانة بلاستيك، ومكيف مستعمل. يوم انتقالها صوّرت المكان وكتبت: «أخيراً صار لي مكان أعيش فيه وحدي».
لم تكن تعرف أن أحداً راقبها. عامل في ورشة قريبة، شعره قصير وعيناه ضيقتان وإحدى ثناياه ملتوية. رآها أول مرة في الدكان، بقميص أبيض وذيل حصان، سحبت ورقة عشرين من محفظتها وكان فيها مئات. وقف خلفها، انتقلت عيناه من وجهها إلى المال ثم عادت إلى وجهها.
تبعها أياماً وعرف مواعيدها: تخرج الثامنة، وتعود أحياناً السابعة أو التاسعة أو الحادية عشرة. كانت تعمل متأخرة، وهو ينتظر تحت مصباح مقابل الشارع، وطرف سيجارته يضيء وينطفئ في العتمة. في تلك الليلة رجعت عند العاشرة بعد أن اشترت شعيرية أرز مقلية. وجدت القفل مرتخياً قليلاً والطلاء حول ثقبه مخدوشاً، فظنته صاحب البيت. استحمت ثم تمددت تتصفح هاتفها حتى نامت وأطفأت النور.
امتدت يد من تحت السرير وسدت فمها؛ يد خشنة راحةُها كالّات. لم تستطع الصراخ، وخطر في رأسها فجأة، لا سؤال لماذا يحدث هذا، بل زميل وسيم رأته يشتري قهوة عند الشركة ظهراً. أرادت أن تكلمه ولم تفعل خجلاً. كانت تلك آخر فكرة لها.
حلّت الشرطة القضية لاحقاً وحكم على القاتل بالمؤبد، لكن تشن نينيان بقيت في الغرفة. كل مستأجر جديد كانت تقف في الباب لتسدّه بجسدها، فيعبره اللص كأنه هواء. انتظرت إنساناً يسمع منها جملة واحدة.
تقدم الرجل ببدلة العمل. رأيت أدق التفاصيل: بقعة داكنة على غطاء الجيب الأيسر من حبر قلم سال قديماً، وحافة الجيب الأيمن مهترئة، وعلى صدره شارة ألمنيوم رقمها 0127 وقد دارت زواياها من البلى، والأرقام بارزة تلمع بعد أكثر من عشرين عاماً.
قال: «لين دو. أنا تشاو تيشنغ، من مصنع الآلات شمال المدينة. الشعار على صدري أحرف زرقاء بهتت لا لأنها تقشرت، بل لأن الغسل الكثير أذاب الصبغة في القماش الأبيض. كنت الأول.
«عام 1998، آخر الصيف والحر لا يزال شديداً. شاع منذ أشهر خبر إعادة الهيكلة: خفض العمالة لرفع الكفاءة، وتسريح ثلث العمال. الإدارة تقيم الأداء، وكنت رئيس الورشة. ليس منصباً رسمياً، فقط بدل وظيفة يزيد عشرات اليوانات، لكن العمال ظنوا أن قائمة المسرّحين قراري.»
في تلك الليلة كان ينهي دفعة من قطع التصدير، يصل الأسلاك وحده، وشرر اللحام يضيء وجهه ويظلمه. خرج بعد الواحدة، وكان مصباح عند البوابة يتقطع. في ضوئه رأى خمسة أو ستة من عمال النهار. أحدهم مخمور يقول بصوت عال: «تيشنغ، أنت أخي، كيف تجعلني أرحل وزوجتي حامل؟».
أراد تشاو تيشنغ أن يشرح أن القائمة ليست له، وأنه جادل أربع ساعات وضرب الطاولة مراراً عن كل واحد منهم. ولكن هل ينفع ذلك مع رجال يسدون الباب، أحدهم مخمور؟ دفعه المخمور، لا دفع شجار بل دفعة غضب بكفه على كتفه. لم يثبت تيشنغ؛ تحت قدميه منحدر حصوي، فسقط إلى الوراء، وخطف بيديه الهواء مرتين. ارتطم مؤخر رأسه بحافة درج إسمنتية قائمة، لا بسطحها، وسمع عظم جمجمته يتشقق: طق. ثم اسود العالم.
كتب الملف: «وفاة عرضية في عراك تحت تأثير الكحول». لم يشرب ولم يتعارك. كان يعمل متأخراً ليصحح رسماً؛ تسامح قطعة التصدير كُتب أكبر من اللازم بمقدار 0.01 مليمتر، ولو لم يصلحه لرفضته ألمانيا وضاع عمل الورشة لثلاثة أشهر.
كان تشاو يظن نفسه الأول، ثم علم أن سو شيويهونغ سبقته.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.