كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/11 · شبح الماء يبحث عن بديل — الفصل 3
الفصل السابق

11 · شبح الماء يبحث عن بديل — الفصل 3

ما وراء الليل

الفصل التالي

بدأت أستعيد الحركة ببطء، من الخنصر أولاً؛ انثنى وفرقع عظمه. ثم البنصر والوسطى والسبابة والإبهام، واحداً بعد واحد، كشيء يذوب من الخارج إلى الداخل. تراجعت نصف خطوة وأسندت كتفي إلى الجدار. كان بارداً، يتسرب عبر القميص والجلد، برداً طيباً يوقظك ويؤكد أنك لست تحلم.

نظرت إلى الثمانية عشر في الصالة. لم يعودوا بشراً، لكنهم لم يكونوا كأشباح الأفلام ذات الأنياب والعيون الحمراء. تشاو فمه مغلق، وعينا تشو بينغ عاديتان، وتشن نينيان ترتدي سترة رمادية بقبعة لا فستاناً أبيض طافياً. كانوا كما ماتوا، بملابس الموت ووضعه الأخير: ندبة تشاو حقيقية نافرة الأطراف غائرة الوسط، وشعر تشو بينغ مبلل يقطر في الغبار دون أن يبلله؛ ماتت وشعرها مبتل فلم يجف منذئذ. وعلى رقبة تشن آثار أصابع عريضة قصيرة الأظافر، يد العامل. وذراع وي تشانغقنغ ما زالت ممدودة، وتنتفض أصابعها أحياناً كمنعكس عصبي باقٍ يحمل فكرة الدواء إليه.

«ماذا تريدون؟» خرج صوتي مضغوطاً من حنجرتي، غريباً عني.

اقترب تشاو خطوتين. رأيت الخيط الرمادي داخل ياقته وغرزاً غير متساوية، لعل زوجته خاطتها وهي تشاهد التلفاز. قال، بعد توقف يصوغ به كلاماً لم ينطق به منذ ستة وعشرين عاماً: «لسنا هنا لنؤذيك، يا لين دو. نريد منك شيئاً لا يقدر عليه غيرك.»

جاءت تشو بينغ، واصفرّت أطراف منشفتها كما لا يزيله المبيّض. وقفت على نصف متر، وشدّت زاوية فمها كمن نسي كيف يبتسم. قالت: «في السنوات الثلاث نمت في بيت كل واحد منا: نمت على سريرنا ومشيت في صالاتنا ووقفت في شرفاتنا تحت القمر، والقمر يخترق الجفنين فيصير برتقالياً خلف العين. لكنك لم تقل لنا كلمة. حين دخلتَ 401 كنت واقفة عند باب الحمام؛ نظرتَ في عيني من أقل من متر، ثم مررت بي. مرّ بصرك خلال جسدي إلى السليكون المتعفن خلف الباب؛ رأيت العفن ولم ترني.»

وقفت تشن نينيان مستندة إلى ذراع الأريكة. لم يكن في عينيها حقد ولا مرارة، بل انتظار هادئ، انتظار نهرٍ ألف عام لجسر. قالت: «تشن نينيان تعتقد أننا لا نوجد. تعتقد أن ليلة بلا حادث تعني أن لا أشباح، وأن الإنسان إذا مات انطفأ. لكننا هنا دائماً. عند الشروق نعود إلى الجدران وشقوق الطوب وظهر المرايا، وعند الغروب نخرج. نرى ساكناً يأتي وآخر يرحل ونبقى. ماذا ننتظر؟ أن يدخل شخص لا لينام ليلة ويغادر، بل ليتوقف عند زاوية مظلمة ويسأل: هل من أحد هنا؟ انتظرنا هذه الكلمات الثلاث سنين، ولم يسألها أحد. كل داخل يشعل النور ويفحص السخان ويصوّر وينشر ويطفئ وينام. ينظر إلى السقف والأرض والمقبس، لا إلى العتمة، خوفاً مما فيها. وما فيها ليس أشباحاً، بل أناس عاشوا مرة.»

فهمت فجأة: في الليالي السبع عشرة حدث شيء، لكنني أنا من اختار ألا يراه. كنت أغلي الماء وأصوّر وأطفئ الهاتف وأنام. ظننت أن لا شيء. ربما كانوا كل ليلة في الزاوية أو عند طرف السرير. لم يريدوا أن يختفوا، بل أنا من أغمض عيني وسحب اللحاف فوق رأسي، قائلاً لهم بفعلي: لا أريد رؤيتكم؛ جئت لأكسب ثلاثة آلاف، لا لأتكلم معكم. لم يفهموا أمر المال. رأوا رجلاً ينام في سريرهم ويمشي في صالتهم ويقف في شرفتهم، فربما جاء ليسمعهم.

في البداية وقفوا بعيداً عند آخر الصالة، ثم عند باب الغرفة، ثم عند طرف السرير. إذا تقلبتُ تراجعوا، فإذا سكنتُ اقتربوا، يراقبون نَفَسي؛ إذا استقر نمت فلا أتكلم، فينتظرون الصباح. لكن مع الفجر أرمي وعاء النودلز وكيس الشاي، أغلق الحقيبة والباب: طق، ويُقفلون في الداخل. في الليلة التالية ينتظرون شخصاً آخر. سبع عشرة مرة، وفي كل مرة لم ينقص سوى سؤال أو نظرة إلى العتمة. لم أفعل؛ كنت متعباً وأحسبه عملاً وحسب.

لم تكن الأشباح لا تؤذيني، بل لم ترد أن تؤذيني قط؛ أرادت أن تقول شيئاً.

قال تشاو: «لهذا اجتمعنا هنا الليلة. هذا المبنى وحده الذي نستطيع أن نُريك أنفسنا فيه. في البيت السادس ذهبتَ إلى الحمام ليلاً بلا نور، ودستَ موضعاً بارداً في الصالة فانكمشت؛ كان مكاني. وفي البيت الثالث عشر هذيتَ: من هناك؟ ثم لم تستيقظ وتقلبت ونمت. لكنك قلتها صحيحة: كنت هناك. الليلة هي الثامنة عشرة، ولا تستطيع أن ترحل. بعد هذه الليلة يفوت الأوان.»

«يفوت ماذا؟»

تراجع ونظر إلى الباب. كان مفتوحاً؛ ليس الريح، بل شيء في الخارج يدفعه. لصقت ظهري بالجدار وعددت لأهدأ: «أنتم ثمانية عشر، لكن هنا سبعة عشر. من الثامن عشر؟»

لم يجب. فتح الباب من تلقاء نفسه، ووقفت فيه امرأة في الثلاثينيات بفستان أخضر داكن طويل حتى كاحليها، ياقة مربعة تكشف ترقوتين ناحلتين، وشعر مرفوع بعصا أكل خيزرانية بدل دبوس. كانت قدماها أعلى من الأرض بإصبعين؛ لا تمشي بل تطفو.

تنحى الجميع تلقائياً. خطا تشاو إلى الخلف وخفض رأسه لا خوفاً بل احتراماً. مالت تشو بينغ وشعرها يقطر أسرع، وأخفت تشن وجهها، وتوقفت شفتا صاحب السبحة، وتراجع الرجل البدين المشنوق. كالجزر حين ينحسر البحر.

وصل صوت تشاو إلى رأسي خافتاً كأنه من تحت الأرض: «هي الأولى في هذا المبنى. اسمها سو شيويهونغ. ماتت سنة 1973 وعمرها ثمانية وعشرون، سنة بُنيت هذه عمارة الممرات. كنت أظنني الأول؛ كانت قبلي ولم تصححني قط، وكلما أعلنتُ في الصالة أنني الأول ابتسمت ولم تتكلم.»

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.