كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/13 · راوي الحكايات في السوق
الفصل السابق

13 · راوي الحكايات في السوق

ما وراء الليل

الفصل التالي

الخامس عشر من الشهر الثالث. قبل «غويو» بيومين.

كانت جبال جنوب جيانغشي خضراء إلى حد السواد. لم يكن الضباب قد انقشع، بل كان يتصاعد من الوديان كتلاً إثر كتل، كأن الأرض تلهث. فإذا عبر البخار الأبيض قمم الجبال وأصابته الشمس صار بخاراً ذهبياً، ثم يتبدد الذهب ببطء ويصعد من قاع الوادي بخار أبيض جديد. بلا نهاية.

كان ثلاثة رجال يسيرون على درب جبلي.

تقدمهم رجل في منتصف العمر يرتدي ثوباً طويلاً من قماش رمادي. كان في الخامسة والأربعين أو السادسة والأربعين، نحيلاً طويلاً، وقد شدّ لوحا كتفيه الثوب حتى برزا فيه كحافتين. وعلى ظهره صرّة سوداء تضم بوصلة، ومسطرة لوبان، ومسطرة البحث عن التنانين، ونسخة مخطوطة من «كتاب الدفن». كان غلافها قد وبر من البلى، وأعيد تجليد كعبها بخيط الكتان ثلاث مرات.

كان اسمه شِن غوانلان، وكنيته زيتشوي. أشهر معلّم فنغ شوي في مقاطعات جنوب جيانغشي السبع. لم يصنع شهرته قتال ولا ادعاء، بل راكمها ثلاثين عاماً. مارس المهنة خمسة وعشرين عاماً، وعاين أكثر من ثلاثمائة موضع دفن، ولم يحدث قط مكروه. الأسر التي دفنت موتاها في المواضع التي اختارها: منها من اغتنى، ومنها من صار له منصب، ومنها من لم ينل ثراء ولا وجاهة، لكنه عاش آمناً. جيلاً بعد جيل.

ولم يكن السيد شِن يخرق ثلاث قواعد أبداً. أولاً: لا يقبل مال الأحياء، ولا يأخذ إلا أجر شراء الأرض. ثانياً: لا يعاين موضعاً حين يدنو الظلام، ولا في الضباب، ولا إذا نعب غراب. وثالثاً: إذا سأله أحد عن الجدّ المؤسس لمعلّمي فنغ شوي، لم يجب.

كان الآن يمشي في الدرب الجبلي ببطء غير متعجل، وكل خطوة يضعها بثبات. لا ينظر إلى قدميه وهو يمشي؛ بل إلى الجبل والماء والشجر، وإلى مسير غيوم السماء، وإلى الجهة التي ينبت إليها عشب الأرض.

وتبعه رجلان.

أحدهما كبير خدم أسرة تشو، واسمه تشيان، وقد تجاوز الخمسين. يرتدي سترة قصيرة من قماش أزرق، ووجهه مستدير وجبينه مغمور بالعرق، وقد انقطع نفسه. كانت خطى معلّم فنغ شوي أمامه طويلة؛ فكل خطوة منه تعدل خطوة ونصفاً لرجل عادي. ظلّ تشيان يهرول ليلحق به، يركض قليلاً ثم يلهث قليلاً.

والآخر عاملٌ أجير شاب قوي البنية من آل تشو، يحمل على كتفه عصاً معلّقاً بها حِملان: شاي ومؤونات سفر وورق أصفر وبخور وشموع. كان الشاي تيه غوانيين؛ فقد أوصى السيد تشو بذلك خصيصاً، فالسيد شِن لا يشرب غيره.

كان شِن غوانلان يرى وهو يسير.

فمعلّم فنغ شوي لا ينظر إلى الجبل طلباً للمنظر؛ إنما ينظر إلى هيئته وقوته، إلى موضع عظامه وموضع لحمه، ومن أين تدخل طاقته ومن أين تخرج. لا يراها عامة الناس، ولا تُكتسب من الكتب؛ لا بد من المشي. فإذا أكثرت من المشي، كلّمك الجبل: بشكله، وارتفاعه وانخفاضه، وقربه وبعده، وضبابه وريحه.

مشى هذا الرجل في الجبال خمسة وعشرين عاماً. وكان يستطيع، وهو مغمض العينين، أن يرسم هيئة كل جبل في جنوب جيانغشي. أما هذا الجبل فلم يأت إليه إلا اليوم. حين أرسل آل تشو في طلبه قالوا له وحسب: على بعد ثلاثين ليّاً خارج مقاطعة تشينغشي جبل يدعى جبل التنين النائم، هيئته غريبة، وقد ذهب إليه أكثر معلّمي فنغ شوي في نصف المقاطعة، فلم يستطع أحد أن يقول أهو حسن أم سيئ.

«لم يستطع أحد أن يقول أهو حسن أم سيئ»؛ تلك العبارة علقت به.

توقف شِن غوانلان ورفع رأسه، ونظر إلى الجبل أمامه.

لم يكن عالياً، لكنه غريب الهيئة، كتنين رابض على الأرض. الحافة هي ظهر التنين، وآخر الجبل ذيله؛ ومن رأسه برزت صخرة مستديرة ملساء، ترتفع قليلاً كأنها أنف التنين. وانعطف جسده ثلاث انعطافات، وكل انعطافة تنكمش نحو قلب الجبل، كقبضة هائلة تقبض ببطء على لؤلؤة في يدها.

وعند سفح الجبل جدول يطوف نصفه ويجري شرقاً. متعرجاً كحزام. لا… كلؤلؤة.

فم التنين يحمل لؤلؤة، يحملها ولا يبتلعها.

ردد شِن غوانلان الكلمات الأربع في نفسه، فغاص قلبه غوصة؛ لا إلى أسفل، بل إلى مكان لا قرار له.

ظل واقفاً طويلاً، لا يتكلم ولا يتحرك، كشجرة. وكانت عيناه مشدودتين إلى خط حافة الجبل: سلساً مستديراً لا انقطاع فيه. لم تكن الجبال ذات هيئة التنين أمراً لم يره من قبل: ثلاثة في جنوب جيانغشي، واثنان في غرب فوجيان، وواحد في شمال قوانغدونغ. لكن في تلك الجبال كلها خشونة ما: فجوة في ظهر التنين، أو انهيار عند ذيله، أو ميل في اتجاه رأسه ببضع درجات. وهذا طبيعي؛ فالجبل ينمو بين السماء والأرض عشرات الآلاف من السنين، ولا بد للريح والمطر أن يغيرا هيئته.

أما هذا الجبل، فكل نسبة فيه في موضعها. وكل قوس دقيق بديع. ظهر التنين مستقيم بلا ميل، وذيله منسحب نظيف حاسم، ورأسه مرفوع بزاوية ست وثلاثين درجة بالضبط، لا يختلف شعرة عن زاوية حفرة التنين الحقيقي المذكورة في «كتاب الدفن».

مستحيل.

مستحيل أن يكون هكذا منذ خلقته الطبيعة.

لم يعد كبير الخدم تشيان يحتمل الصمت: «السيد شِن، كيف هذا الجبل في آخر الأمر؟»

لم يجبه شِن غوانلان. قرفص، وفك الصرّة وأخرج البوصلة. كانت من نحاس، يلمع سطحها من كثرة المس، وإبرتها في الحوض المركزي أدق من شعرة. حملها بيديه مستوية عند ارتفاع حاجبيه وانتظر الإبرة حتى تسكن. وأبطأ أنفاسه عن عمد: أربع شهيقات، حبس لاثنين، ست زفرات. هكذا علّمه معلّمه: «إذا لم يضطرب الإنسان، لم تضطرب الإبرة».

استقرت الإبرة أخيراً، تشير إلى الجنوب الصريح. كان ذلك طبيعياً أكثر مما ينبغي. حرّك شِن غوانلان البوصلة ثلاث خطوات إلى اليسار فانحرفت شعرة، ثم أعادها ثلاثاً إلى اليمين فعادت إلى الجنوب. دار حول شجرة كافور عتيقة، فلم ترتجف الإبرة قط. كل جبل يفسد المغناطيس قليلاً: معدن تحت الأرض، أو ماء، أو كهف؛ أما هنا فكأن يداً رتّبت الحجارة والمجاري والتراب حتى أغلقت الدائرة إغلاقاً كاملاً. ولمع في رأسه القول الذي لم يرد في الكتب: يمكن صنع الهيئة، ويمكن جرّ العِرق.

وبمسطرة التنين قاس سفح الجبل والماء. وجد مدخلَ نَفَس واحداً وموضعَ تجمّع واحداً، وكل ما عداه مختوم؛ إناء مقلوب لا يقبل إلا من ثقب ولا يطرح شيئاً. قال في نفسه: «هذا ليس قبراً مباركاً، بل فخ.» غير أن منظر الجبل كامل كالمسرح المصنوع: تنين أخضر ملتف، ونمر أبيض خاضع، وسلحفاة سوداء، وطائر أحمر؛ ثم صعد إلى رقعة سوداء رطبة تفوح منها رائحة الدم. هناك دارت إبرة البوصلة بانتظام، دورة كل سبع وثلاثين ثانية، فعرف أن في جوف الأرض عملاً بشرياً.

طاف حتى الغروب. عند الذيل وجد ثلاثمئة صخرة سوداء مثقبة كخلية النحل، تهتز الإبرة إلى جوارها، وتسكن إذا ابتعد خطوة. وعند تسع صنوبرات مقوّسة قادته جهة الأرض إلى بقعة رخوة باردة كرائحة الصدأ الدموي في ساحات الإعدام. وحين أظلم الجبل، لم يعد تنيناً بل أفعى هائلة فاتحة الفم. قال لقَيّم آل تشو: «هذا الموضع لا تقدر عليه أسرتكم. سبقكم إليه صاحب.» وفي القمة رأى ومضة نار كعين، ثم انطفأت.

كان السيد تشو، صاحب الدار ذات السبع ساحات، في الثالثة والسبعين، هزيلاً لا يبقى منه إلا العظم والعينان. طلب صدقاً؛ فأخبره شِن أن ما قبل آخر السنة مأمون، وما بعدها رهين القبر، مع أنه كان يعلم أن الموت أقرب. قال الرجل العجوز إنه لا يريد ثراءً لعقبه، بل سلاماً لا يحمل إليهم ذنوب تجارته الصغيرة. فطلب شِن مهلة ثلاثة أشهر ودفاتر المقاطعة: قبور ثلاثين سنة، اتجاه شواهدها، أعماقها، توابيتها وما وُضع معها. ثم سأل عن رجل أعرج بعين يسرا معتمة وعصا خيزران مشقوقة. فلما وصفه تشو، انقبضت أصابعه: ذلك هو لو جيوتشوان، معلمه الذي ربّاه.

لم ينم شِن. قلب «أقوال الحقيبة الزرقاء» سبع مرات، واستعاد عبارة معلمه المكتوبة بالزنجفر: «للعروق حياة وموت؛ يُجر الحي ويُقتل الميت.» ورأى في خياله ثلاثمئة وسبعة وستين قبراً، وآباراً جفّت وقرى هُجرت، وسكاناً تناقصوا قطرة بعد قطرة. قبل أحد عشر عاماً كتب المعلم أنه فقأ عينيه، لأن في عينيه شيئاً لا يجرؤ على رؤيته. عندئذ عرف شِن أن ذلك لم يكن زُهداً، بل رعباً وندماً.

في دار السجلات، قلب مع كاتبين وثائق ثلاثين سنة حتى رأى، لا ما حدث، بل ما اختفى: اثنا عشر موسماً للمعابد صاروا ثمانية ثم ثلاثة ثم لا شيء؛ تسعون ألف نسمة صاروا واحداً وخمسين ألفاً. لم يموتوا في السجلات، بل رحل الفلاحون والأجراء وهم يحملون ألواح أسلافهم. وتتبع الآبار: بدأت المرارة في قرية داليو، ثم الكدر، ثم الجفاف، واتسعت الدوائر سنةً بعد سنة حتى رسمت خمس بيضات متحدة المركز حول وولونغ لينغ.

رسم ثلاث خرائط بالزنجفر: ثلاث عشرة سلسلة جبلية تتجه إلى التل؛ خمس دوائر للآبار الجافة؛ وثالثة للقبور. في الأخيرة ثلاثمئة وسبعة وستون نقطة سوداء، ومن كل نقطة سهم أحمر إلى المركز. قال للقيم: «كل قبر أنبوب، يرسل نَفَسَ ميته ثلاثين عاماً. تحت التل حفرة مقابر لا تحصى. لو دُفن سيدك فيها نال أحفاده ثراءً ومناصب ثلاثة أجيال؛ لكن الأرض حوله لن تنبت عشباً. هذه القرى والآبار والناس كانوا ثمنها.» ثم ركب نحو جبال وويي ليسأل معلمه.

وجد لو جيوتشوان أعمى في كهف، وقد كان هو نفسه الذي التقط شِن الفتى الجائع من معبد مهدم ورباه بصرامة. قال الشيخ قبل أن يناديه تلميذه: «لا تسمّني معلماً. سمّني صانع هذا التدبير.» واعترف بأنه اختار كل القبور ووضع ثلاثمئة واثنتين وأربعين صخرة سوداء، وأنها تصنع عين التدبير في منحدر وولونغ لينغ.

ورسم دائرة وخيوطاً على التراب: هذا هو جرّ العروق الروحية. ثم صحح الاسم: «ليس اقتراضاً، بل سرقة.» وقال إن العروق كائنات تولد وتمرض وتموت؛ كانت قديماً متصلة من كونلون، ثم قُطعت جذورها وبقيت شظايا. وأضاف أن هناك وصية سادسة لا تذكرها الكتب: «الهيئة تُصنع، والعِرق يُجر.» لم يفعل ذلك في مكان واحد؛ هذه العقدة السابعة والعشرون من عمله. وحين سأله شِن متى بدأ، قال: قبل تخرّجه. أما القبر الأول قبل ثلاثين عاماً فكان ستاراً. وعندها أدرك شِن أن الرجل رباه ليخلفه ويحرس الشبكة بعد موته.

قال لو إن اختياره لشِن كان لذكائه، ولأنه ابن رجل آخر. غضب شِن: «منحتني المهارة وسلبتني الاختيار.» فأجابه الأعمى أنه هو أيضاً لم يُمنح اختياراً؛ قبله رجل أقدم نقل من كونلون قطعاً من الجذور إلى جبال با وتشين ووولينغ ولُوشياو ووويي، وأعاد كتابة عروق البلاد كلها. لم ير لو ذلك الرجل، بل رأى في كهف كونلون كتاباً لا يحترق ولا يبلى، مكتوباً بعلامات أقدم من العظام، يصف العروق كما أُعيد ترتيبها. وكان يخاف أن صانعه لم يمت، وأنه ينتظر حتى تستيقظ العروق الخمس وتلتئم في نهر واحد من النَفَس.

قال للفتى الذي صار رجلاً: «اختر بنفسك. اكرهني أو ارحل أو حطّم التدبير؛ فهو خطأ.» ثم قال إنه وجد تحت وولونغ لينغ جذراً منقولاً يحتضر. إن مات انقطع عرق من توازن الأرض؛ وإن أنقذه احتاج إلى أن يصب فيه نَفَس القبور والناس وكل الأحياء. اختار الإنقاذ، ولا يندم: فوزن عرق واحد عنده أثقل من ثلاثين ألف إنسان، وهو يعلم قسوة ذلك.

مع الفجر طلب شِن أن يرى الجذر. في ظهر الجبل، وسط صخر أسود مخاطي، قاده لو بالعصا إلى الموضع بعد سبع وثلاثين خطوة. صار الصخر جلداً أحمراً دافئاً، تتفرع عليه عروق كالرئة المتحجرة. ألصق شِن أذنه بالأرض فسمع: انقباض، سكون، انبساط؛ نبضاً ذا ثلاث دقات، كقلب جبل. كانت شجرة كافور ميتة قد أدخلت كل جذورها في رقعة بحجم مائدة، وظلت الجبال تموت حولها حلقة بعد حلقة، لأن الجذر يشفط آخر ما فيها.

قال لو إنه وجد خمس جذور كاملة في البلاد بعد ثلاثين سنة من المشي، لا بالبوصلة بل بالقدم والأذن. وكان يظنها غنيمة تستحق الإنقاذ. فرد شِن: «لعلها كان يجب أن تموت. حيث يأتي العرق يأتي التنازع والذبح. وما أحييته لا يعيش إلا على عظام الناس؛ ليس عرقاً، بل ورم.» ارتجف لو وركع للجذر؛ قال إنه حي، يسمع ويتألم منذ آلاف السنين، وإن دقاته استغاثة. لكن شِن أصر: العرق الحق يحيي الماء والعشب والناس، لا يترك خمسة أميال قفراً ومئة ميل بلا سكان.

عندها سخنت الأرض، واحترق الطحلب، وبدأت الخطوط الحمراء تبهت إلى رماد. قال لو، وفي صوته راحة لا خوف فيها: «إنه ذاهب. سمع الحقيقة، ولا يريد أن يعيش وحشاً يقتات من غيره.» انهارت الرقعة حفرةً مستديرة، وانطفأ النبض، ولم يبق إلا حجر أسود كندبة. ضحك الشيخ كأنه يتنهد: ثلاثون عاماً، وذهب كل شيء.

لكن شِن شمّ رائحة التراب الحي. ندى ماء من الشق، وعلى غصن شجرة الكافور الميتة برعم أخضر بحجم حبة الأرز. لم يحطم أحد التدبير؛ بطله نفسه هو الذي رحل.

وبعد عام بدأت عروق الأرض تتوزع من جديد. عادت المياه إلى الآبار والينابيع القديمة، وعاد بعض النازحين بعرباتهم وأمتعتهم إلى بيوت أكلها العشب. اقتلعوا الحشائش من القاعة ثم المطبخ، فصعد أول دخان طبخ منذ ثلاثين سنة. لم يعرفوا من يلعنون أو يشكرون، لكن الماء عاد والحقل أثمر، وذلك كافٍ لهم.

أما شِن فقضى ثلاث سنوات يحفر إحدى عشرة بئراً وينظف سبعة جداول ويصحح اتجاه القبور الثلاثمئة والسبعة والستين. عند كل قبر يسجد ويحرق ثلاثة أعواد بخور، ثم يعيد الشاهد إلى عرق أسرة الميت، لا إلى وولونغ لينغ. لم يكن يسجد للميت، بل لاعتذاره الذي لا ينتهي. وجلس لو على كرسي خيزران يسمع من الجبل أصوات الأبقار والدجاج والأطفال والنساء والرجال، الأصوات التي غابت ثلاثين عاماً.

سأل لو: «أما زلت تكرهني؟» قال شِن: «أكرهك.» ثم أضاف: «إن رحلت، فمن يصب لك الشاي؟» فضحك الشيخ حتى سالت دمعة من عينيه المطفأتين. قال إن تلامذته الآخرين خرجوا ليكسبوا الفضة، أما شِن فحمل كل دينه بلا أجر، وادّخر ما يضعه الناس خفيةً ليشتري حجارة الآبار.

قال شِن إن المعلم علّمه كيف يجد أفضل الحفر، لا ما ينبغي فعله بها. ثم استشهد بعبارة من مقدمة كتاب الدفن: «التولّد هو التحوّل، ونفع الناس هو فنغ شوي.» ليست الغاية تنين القبر، بل نفع الناس؛ ما يُستخدم للنفس حرفة، وما يُستخدم للناس طريق. أعطى الشيخ بوصلة جديدة مصححة لا تنحرف. قال لو إنها عديمة النفع للبحث عن الحفرة الحقيقية؛ فأجاب شِن: «أعرف. لم أعد أريد العثور عليها.»

أعلن أنه سيكسر العقد الست والعشرين الأخرى. يعرف موضع خمس عشرة منها، وعلى لو أن يدلّه على البقية. حذره الشيخ أن ذلك سيأكل عمره كله؛ فقال: «إذن أعطيه عمري.» عندها ذكر لو أباه: قبل واحد وثلاثين عاماً جاء رجل يحتضر إلى المعبد المهدم يحمل طفلاً، وسلّمه إليه وقال قبل أن يموت: «لا تدع هذا الطفل يتعلم فنغ شوي.» ذلك الطفل هو شِن.

أخرج لو قلادة من يشم أخضر داكن احتفظ بها له. على وجهها علامات أقدم من كل الخطوط، منها كلمتا «العروق الروحية». عرف شِن أن أباه كان الرجل الأول الذي نقل جذور كونلون وصنع التدبير الأقدم. كان الأب يعرف خطأه، ومع ذلك أتمه؛ وعلى ظهر القلادة كتب بخط مرتجف واضح: «عُد إلى البيت.»

قال لو إن الأب لا يرى البشر بشراً، وإنه قد ضحّى بالحياة لأجل العروق؛ أما لو فعدّ العروق والناس سواء، فاستبدل ثلاثين ألفاً بجذر؛ وكلاهما أخطأ لأنه لم يملك حق الاختيار عن الآخرين. أما شِن فيرى الإنسان أثقل: لا ينبغي للعِرق أن يموت، لكنه لا يستحق حياة تبنى على آلامهم. أمسك الشيخ معصم تلميذه وقال إنه لم يعد يريد وريثاً لتدبيره، بل يريد أن يراه يسلك طريقه.

كتب شِن في تلك الليلة رسالة لنفسه ولأبيه: «جرّ العروق: اقتراض نَفَس الأرض لإحياء حفرة إنسان. خطأ. الاقتراض سرقة، والإحياء قتل. من اليوم يعود الجَرّ إلى الأرض والنَفَس إلى جذره. ما بقي من عمري ليس للربح ولا للشهرة، بل لسداد دين.» ثم قرر أن يضع القلادة في العقدة الأخيرة ويعود إلى هذا الجبل.

غادر بعد شهرين ببوصلة جديدة وقلادة اليشم. سأله لو إلى أين، فأجاب: «إلى العقدة الثانية، ثم الثالثة، حتى الأخيرة؛ ثم أعود إلى هنا.» ونقر الشيخ ركبته مرتين: إيقاع «لا بأس» الذي لا يعني الرضا بل الاطمئنان. نزل شِن الجبل بخطوات ثابتة؛ كان الجنوب دافئاً، ودخان قريتي هوانغني آو وسانتشاكو قد زاد خيطين. بدأ ثلاثون عاماً جديدة: لا لصنع تدبير، بل لكسره؛ لا لدفن الموتى في حفرة التنين، بل لرتق السماء فوق عروق الأرض. ففنغ شوي ليس علم الدفن؛ إنه طريقة حياة: كيف يحيا الناس، وكيف تحيا التربة، وكيف تحيا العروق.

النهاية

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.