كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/14 · الأرض الشريرة في الدار العتيقة
الفصل السابق

14 · الأرض الشريرة في الدار العتيقة

ما وراء الليل

الفصل التالي

قاد لاو تشو حفّارةً عشرين عاماً. دفع أسوار المدينة القديمة، وحفر مقابر جماعية، ورأى أشياء شتّى تخرج من باطن الأرض. لكنه اليوم لم يشأ أن يحفر هذه الشجرة؛ ولو قتلوه ما فعل.

عند نهاية طريق هوايآن، جنوبي المدينة، حيث يبدأ الخروج منها، قامت قرية حضرية قديمة: أزقة لا يتجاوز فيها شخصان، وبيوت واطئة يمس المرء سقفها إذا تمدد. وفي قلبها جنكة هائلة، لا تحيط بجذعها سبعة أو ثمانية رجال متشابكي الأيدي. كان جذعها كجدار، لحاؤها الرمادي البني كالحجر من بعيد وكجلد شيخ من قريب، نتوءاته كالحديد وغوره يتسع لإصبع. خرجت منه تسعة أغصان عظام كأذرع تسند السماء، وفوقها مظلة لا يرى الواقف تحتها صيفاً إلا طبقات الأوراق المروحية الخضراء الداكنة.

قالوا إن ارتفاعها ثلاثون متراً، وقال آخرون خمسون؛ لا أحد يدري. لا يبلغ البصر تاجها إلا إذا أوجع المرء عنقه. كان التاج كإكليل أخضر يظلّل نصف الشارع، ومن بعيد كجبل أخضر حيّ يتنفس. بقيت القرية على صورتها القديمة، فيما يد التمدد العمراني لم تبلغها بعد؛ وكانت الجنكة وحدها أعلى من ثلاثة طوابق، علامةً يعرفها المرء بلا خريطة.

وفي الخريف كانت أجمل: يتحول ورقها إلى ذهب كأن الشمس صهرت نورها فيه، فيغدو كل ورق شمساً صغيرة، وتنسج العروق خطوطاً ذهبية. تهب الريح فيتساقط الورق طبقة لينة تصدر خشخشة، وتترك الأقدام فيها آثاراً ذهبية. علقت في الشجرة أشرطة حمراء قديمة وجديدة للنذور؛ الأحمر الحديث والأبيض الوردي البالي، وبعضها لم يبق منه إلا خيط يوشك أن يسقط.

عند الجذور مقام صغير من الآجر لإله الأرض، أقصر من الركبة، شقوقه مخضرة بالطحلب. تمثال الطين داخله تلاشت ملامحه، لكن رماد البخور بلغ ركبتيه، وما زال الناس يضعون فيه عيداناً جديدة. لم يعرف أحد عمر الشجرة؛ لم يقل سجل المقاطعة إلا: «جنكة عتيقة واحدة، لا يُعرف عهدها». وقال الشيوخ إنها من سونغ، أو تانغ، أو هان. كانت عتيقة إلى حد أن تجاعيد لحائها أكثف من بصمات البشر، وأن لمسها يشبه قراءة كتاب لا تعرف حروفه. وجذورها تمتد، من يدري، إلى الماء أو الصخر أو موضع لا يعرفه أحد؛ وكانت جذور غليظة تظهر فوق الأرض، وأخرى تصنع تحتها شبكةً أو متاهةً أو كفاً تقبض على مئات الأمتار. وحين أصلح عمّال المجاري أنبوباً على بعد أكثر من مئة متر، وجدوا على عمق مترين جذراً بعرض ذراع يقطع الخندق كله.

لكن المدينة لا تنتظر. جاءت هيئة التخطيط بخريطة لطريق عريض ينطلق من المركز ويخترق الحي والقرية والشجرة. خطه الأحمر المستقيم كحد سكين. قال رئيس القسم ما، في الثلاثين ونظاراته ذات الإطار الذهبي، إن التنمية والمرور وتجديد الحي من أولويات السنة، وإن الطريق يجب أن يفتح خلال شهر. وربّت على الجذع كما يربّت على حصان عجوز سيُذبح؛ في المرة الثانية ارتدت يده وخدرت راحته، فسحبها إلى جيبه من دون كلام.

قال الشيوخ إن نقلها مستحيل: جذورها تتشابك تحت الأرض، تخترق الأساسات والمجاري والآبار القديمة وما دفن من آثار. لكن أحداً لم يصغ. دخل فريق الهدم، وسوّت الجرّافات سبعة عشر بيتاً في يوم، وملأ الغبار الهواء. وفي اليوم السادس تعطلت جرّافتان: انقطع سير إحداهما واحترق محرك الأخرى. ظل الحداد لي، الذي أصلح كل آلة طوال عشرين عاماً، يفحصهما بمفتاحه. الزيت ممتلئ، والأسلاك سليمة، والمسامير مشدودة؛ غير أن الحديد كان يرن رنيناً مكتوماً كأنه محشو بالقطن. قال: «غريب. لا عيب فيها، لكنها لا تدور». ثم حسب في قلبه: تعطلت الآلتان على بعد خمسين متراً من الجنكة، قبل أن تمسا ظلها.

في اليوم السابع، قرابة العاشرة، اسودّت السماء دفعةً كأن أحداً أطفأ المصباح. حجب تاج الجنكة الشمس عن الورشة. لم يكن ظله ظل شجرة عاديّاً بل برودة ماء بئر عميقة، وأوراقها لا تصدر حفيفاً، بل همهمة مكتومة كأنها تدندن أو تتكلم بلسان لا يُفهم.

أُسند القطع إلى لاو تشانغ ولاو تشاو، وهما بستانيان مخضرمان. وضع تشانغ المنشار الكهربائي على الجذع، فتطاير نشارة صفراء براقة برائحة حلوة لا تشبه الصنوبر ولا الكافور؛ كالأوسمانثوس والعسل، تتسلق الأنف حتى الصدغ وتترك في الفم حموضة غريبة. بعد نصف ساعة لم ينفذ المنشار سنتيمترين. وحين أخرجه وجد على نصله مادة صفراء لزجة دافئة، ليست عصارة ولا راتنجاً، بل كالعسل الدافئ من قلب حيّ له حرارة جسد. ارتجفت يد تشانغ وهو يناول المنشار لرفيقه.

عمل تشاو دقائق طويلة والعرق يسيل في عينيه، ولم ينفذ المنشار. فغضب ورفع فأساً طويلة المقبض. لمع الحد، وهبط على الجذع. سكتت الورشة كلها: آلة الدق والجرارات والخلاطات. بقي عشرات الرجال ينظرون إلى أثر أبيض بالغ الضآلة في اللحاء، وإلى حافة الفأس التي انثنى منها مقدار حبة أرز. كانت أصابع تشاو بيضاء على المقبض. سمعوا الضربة بوضوح: لم تكن ضربة خشب، بل حديد.

ومنذ ذلك اليوم أبى لاو تشو العمل. كان عليه في الغد أن يقتلع الجنكة بحفارته، لكنه جلس تلك الليلة في كوخ المقاول صن، أمام كوب ماء، وقال: «في الأمر شؤم». لم يكن صوته الخفيض صوت الرجل الذي يعلو فوق هدير المحرك، بل كأنه يخاف إيقاظ شيء. خرج ولم يلتفت، والمقاول رأى يده اليسرى تضغط اليمنى المرتجفة بلا جدوى.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.