كان صن دالي، المقاول الأربعيني من خنان، رجلاً أسود الوجه غليظ العنق لا يؤمن بالخرافات. حفر قبوراً قديمة وعظاماً ونقوداً وأواني، فلم يهبه شيء. لكن كلمة لاو تشو صارت شوكة في قلبه، لا تؤلمه ولا يستطيع انتزاعها: في حذائه حين يمشي، وفي حلقه حين يأكل، وتحت وسادته حين ينام.
بات في كوخه الصفيحي، على سرير ميداني ومعطف عسكري ولمبة صفراء عارية. كانت البعوضة تصدم اللمبة ثم تستريح عليها، ويرتجف فتيلها كأن المصباح والحشرة يتنفسان معاً. شرب شاياً ثقيلاً، وبقي يفكر في الشجرة والجذع الذي لا يُقطع، حتى نام مستنداً إلى الجدار.
رأى في المنام أنه في الكوخ نفسه، والمصباح مطفأ، لكنه يرى كل شيء بوضوح أشد من النهار: خطوط الكرسي، غرز المعطف، دوائر الشاي ورماده. بدا العالم مصقولاً تحت طبقة بلورية، واضحاً على نحو خاطئ وزائف. عرف أنه يحلم، ولم يستطع الإفاقة؛ أحس جسده ملتصقاً بالفراش، وفي الوقت عينه رأى كل ما حوله من منظور آخر، فتداخل المنظران حتى أوشك أن يتقيأ.
انفتح الباب الصفيحي بلا صرير. كان الصمت مطلقاً حتى إنه سمع شعر رأسه ينتصب، وسمع جفنيه كإسفنجتين رطبتين. دخل من الباب ضوء ذهبي دافئ كالعسل الذائب وسال على الأرض. خارج الباب كانت الجنكة، لا شجرة النهار بل كائن حي بحق. أضاءت من لبها؛ سار النور من الجذور عبر طبقات الخشب وحلقات العمر، ورشح من شقوق اللحاء وسال من الأغصان وقطر من الأوراق، فصار كل قطرة تموجاً ذهبياً يرتد عن عتبة الكوخ. تحركت تجاعيد اللحاء كوجه شيخ عرف الدنيا؛ في كل تجعيدة ريح عصر وألف مطر وغروب وشروق لا يُعد.
ثم قالت الشجرة: «من أنتظره لم يأتِ بعد. امنحني ثلاثة أيام أخرى». كانت الكلمات الثماني حجارةً تسقط في رأسه وقلبه. أراد أن يسألها من تنتظر، فاكتشف أنه لا فم له في الحلم؛ لم يملك إلا أن يسمع ويرى.
استيقظ وقد وقع المعطف، وانسكب الشاي البارد على بنطاله كحية ميتة، فيما ظهره مبلل بالعرق. خارج النافذة كانت الشجرة ساكنة، والندى على أوراقها يعكس ضوء الشارع كما كل ليلة، لكن صن عرف أن الأمر لم يعد كما كان. قضى الليل محدقاً في سقف الصفيح؛ تحولت بقع الصدأ أمامه إلى شجر وبشر وأشكال لا اسم لها. عند الفجر قرص فخذه فتألم: لم يكن حلماً داخل حلم.
خرج إلى الجنكة في الضباب. كان نصفها مضيئاً بالشمس ونصفها غارقاً في العتمة، كأنها مقسومة بين عالمين. نظر إليها كإنسان عاش ألف سنة ولا اسم له في سجل الموت. ولما حضر العمال قال: «إجازة ثلاثة أيام. لا يقترب أحد من الشجرة». تعجبوا، فالعمل لا يعرف الإجازة، لكنهم لم يسألوا؛ كانوا قد سمعوا قصة لاو تشو والمنشار والفأس، وكانت شوكة مماثلة تسكن قلوبهم.
في اليوم الأول بقيت الجنكة وحيدة فوق أنقاض البيوت، مستقيمة الظهر بين الآجر والحديد الصدئ والبرك التي تعكسها. كان أخضرها شديد السواد وأصفرها كالذهب. همس رجل وراء السياج: «لعل الشجرة صارت روحاً؟» ولم يرد أحد، غير أن الجميع وافق في سرّه.
وفي اليوم الثاني جاء صحفيون وصوروا وبثوا مقاطع بعناوين: «جنكة ألفية لا يقطعها المنشار» و«مقاول يحلم بشجرة تتكلم». حذفت المنشورات سريعاً ثم عادت وحذفت، كالعشب الذي يعود بعد كل قطع. لاحظ الناس شقاً قديماً في الجذع يرشح قطرات صفراء صغيرة تتجمع كحبات شفافة، تلتمع تحت الشمس بألوان قوس قزح، كالعنبر أو الدموع.
وفي اليوم الثالث، قبل أن ينقشع ضباب الصباح، ظهر من داخله ظل امرأة عجوز. كان شعرها رمادياً، ثوبها ذا ياقة متشابكة أزرق داكناً بنقش فاوانيا باهت، وعصاها سوداء لامعة من عرق عشرات السنين. لفّت شعرها في كعكة محكمة، ووشاحها الرمادي قديم لكنه نظيف. مشت ببطء وثبات فوق الحصى والآجر: طق، طق، طق؛ وكل خطوة تختبر الأرض بعصاها قبل أن تضع قدمها.
وقفت تحت الجنكة ورفعت رأسها طويلاً. مسحت بعينيها الجذر والجذع والغصن والورق، كأنها تنادي الأشياء واحداً واحداً، حتى بدأ المتفرجون يتهامسون وأكمل تشانغ سيجارته وأشعل أخرى، وارتفعت الشمس إلى تاج الشجرة وأحاطتها بضوء ذهبي. اتكأت بعصاها على جذر، وانحنت وقد طقطقت عظام خصرها، ثم جلست. أخرجت من جيبها، بعد بحث طويل، كعكة كاكي مجففة مغطاة بطبقة بيضاء، دفعتها برفق نحو الشجرة كأنها تقول: كلي.
بقيت العجوز من الصباح إلى المساء على جذر عريض أخضر بالطحلب، بارد ناعم كالحرير. مرة تتأمل الورق والضوء المرقط على وجهها، ومرة تضع يدها على اللحاء لا تربّت عليه ولا تطرق، كأنها تقيس نبضه. وكانت شفتاها تتحركان بكلام لا يسمعه الناس، يسمعه الجنكة وحده. تخمّنوا أنها تصلي أو تحكي شبابها أو لا تقول شيئاً؛ أما الشجرة فلم تجب، فقد سمعت كلام ألف عام، وصار وقوفها نفسه جواباً.
امتلأ الطريق بالمتفرجين وهواتفهم. أراد بعضهم سؤالها، لكن صن منعهم. رآها وقد امتزج ثوبها الأزرق بلون الطحلب، فبدت جزءاً من الجذر، كأنها كانت هناك دائماً ولم يرها أحد. عند الغروب نهضت ومضت. التفتت بعد خطوات إلى الجنكة؛ هبت الريح، وهذه المرة كان حفيفها نغمة وداع، رخوة كأم تودع ولدها، أو تناديها: ابقي قليلاً. لم تلتفت ثانية، ومضى صوت العصا: طق، طق، طق، حتى ابتلعه البعد.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.