في اليوم الرابع سقطت الجنكة بنفسها. لا منشار ولا فأس ولا جرّافة. انكسر الجذع على ارتفاع قدمين من الجذر بقطع مستوٍ كأن سيفاً هائلاً شطره، أملس كالزجاج، وحلقاته واضحة. غطت الأرض أوراق خضراء لا ورقة صفراء بينها، كثيفة طازجة كأنها فرشت لنفسها سريراً أخضر دافئاً.
رأى الناس ثلاث عجائب. الأولى كعكة الكاكي التي وضعتها العجوز؛ تدحرجت من الجذر المائل إلى آجرة مكسورة، لكنها بقيت مستديرة سليمة، وعلى سطحها طبقة بيضاء رقيقة كضوء القمر، كأن الشجرة وضعتها برفق قبل سقوطها.
والثانية في القلب: حلقات لا تُحصى، عدّ رجل أكثر من ثلاثمئة حتى أجهدت عينيه، ثم دقت الحلقات كالشعر وشبكة العنكبوت. وفي أعمقها شيء صغير بحجم ظفر الخنصر: ورقة جنكة من طين أحمر، فيها العروق والشق الصغير، مصنوعة بخشونة يد طفل. كأن الشجرة ابتلعتها عبر طبقة بعد طبقة، سنة بعد سنة، ألف سنة حتى وصلتها إلى لبها. كان الطين متحجراً بلون صدأ خافت؛ حمله المرء في كفه فوجده أثقل من حجر، لا لوزنه بل لثقل ألف عام. تخيلوا طفلاً قرفص تحت الشجرة يعجن قطعة من طين جدار بيته، يصوغها ورقة، لا يعجبه شكلها فيعيد عجنها، ثم يدسها في شق اللحاء؛ أطبق اللحاء عليه ولم ينفتح حتى اليوم.
والثالثة قطعة كاملة من اللحاء انفصلت واقفة، أطول من إنسان وثلاثة أصابع سماكة. خارجها رمادي مجعّد، وداخلها أصفر فاتح تفوح منه رائحة خشب. كان في باطنها عروق ملتوية ككتابة لا تُنقش من الخارج بل تنفذ من الداخل خلال طبقات الألياف، رسالة بطيئة خطاً بعد خط، كُتبت خلال عشرات السنين. وحين رفعوها إلى الشمس ظهر اسمان: «آ-غن».
وعندئذ انتشرت حكاية من لا يعرف من أطلقها. قبل أكثر من ثمانين سنة، قبل نهاية حرب المقاومة، كان طريق هوايآن ريفاً واسم القرية بايغو، قرية جنكة. كانت البيوت طينية متلاصقة، والجميع فقراء. طفلة أشد فقراً: ذهب أبوها جندياً ولم يعد، وتزوجت أمها غيره وتركتها عند جدتها. يوم الرحيل لم تلتفت الأم، وكانت تحمل صرة قماش زرقاء. فتحت الطفلة فمها لتنادي «أمي» ولم يخرج صوت. لم تفهم معنى التجنيد أو الزواج الثاني، ولم تعرف اليابانيين إلا كلمةً تغير وجوه الكبار حين يقولونها. ركضت خلف أمها إلى شجرة حور عند طرف القرية، ثم عجزت عن الجري ونادت بصوت لا يطير عصفوراً؛ صغرت الأم حتى حجبها تلّ ترابي. ومنذ ذلك اليوم لم يكن لها أب ولا أم.
صارت تجلس تحت الجنكة. في الربيع تلمس البراعم الملفوفة كقبضات صغيرة، طرية باردة بالندى؛ وفي الصيف تجد تحتها برداً ينساب من الورق؛ وفي الخريف تجمع الأوراق الذهبية الجميلة في كتاب مدرسي ممزق؛ وفي الشتاء تجلس بمعطف قطني بالٍ على الجذر وتنظر الأغصان العارية كرسمة حبر في السماء. كانت الشجرة صديقتها: لا تتكلم لكنها تسمع، لا تمشي لكنها ترافق. تحميها من المطر بأوراقها، وإذا جاعت وجدت في جيبها حبة جنكة سقطت إليها، فتلمسها وترفع رأسها، فتتحرك الأوراق كأن الشجرة لا تقول شيئاً.
كانت تسند ظهرها إلى اللحاء وتخبرها بكل قهر لا تستطيع قوله لأحد. تبكي ثم تمسح وجهها بكمها وتتابع. لا يعرف أحد ما قالته، لكنه كان سرها. ذات عصر نامت هناك، فرأت جنكةً صارت شيخاً بثوب ذهبي ولحية فضية تصل الأرض؛ وضع الشيخ يده، الكبيرة كالجذع والخفيفة كورقة، فوق رأسها من غير كلام. أفاقت قبيل الغروب، وعلى وجهها آثار دموع يابسة. كانت الشجرة شجرة كما هي، لكنها عرفت أن اليد لم تكن حلماً بل هي نفسها.
في عيد منتصف الخريف، حين وضعت البيوت أقماراً من الحلوى وعنباً ورماناً وكاكي لعبادة سيدة القمر، لم يكن عند الطفلة شيء، فذهبت إلى الجنكة. أضاء القمر وجهها نصفه وترك نصفه في ظل الورق. وقفت، شبكت كفيها، وانحنت للشجرة كما لو كانت غوانيين وقالت، وهي في الثامنة وأسنانها لم تبدل كلها: «لن أتزوج طوال حياتي؛ سأبقى مع هذه الشجرة». لم يكن كلام طفل عابر، بل نذر صادق للشجرة لا للقمر.
وفي البيت وجدت في كفها ورقة طينية حمراء صغيرة باردة صلبة، لا تدري كيف جاءت. وضعته تحت ضوء القمر؛ لم ينفذ الضوء من الطين، لكن حافته تلألأت كأن قلب الشجرة ينبض ويقول: حسناً، اتفقنا. لم تعرف الطفلة كم يبلغ العمر، عرفت فقط أن المسافة من بيتها إلى الجنكة ثلاثمئة خطوة، وأن النذر إذا قيل صار ثابتاً حتى الموت.
ضحك أهل القرية: كلام الثامنة يُنسى. لكنها صدّقته. في الإعدادية جاء خاطب صاحب أرض وبقرة فقالت: لا أتزوج. وفي الثانوية وجدت رسالة حب في كتابها فمزقتها من غير أن تقرأ. وفي الجامعة كان من يلاحقها، لكنها كانت تستقل الحافلة ثلاث ساعات كلما سنحت فرصة، ولا ترتاح حتى ترى تاج الجنكة. زميلاتها لا يفهمن فتاة لا تواعد ولا تتسوق وتعود كل عطلة إلى الريف؛ قالت: أعود لأرى شيئاً، ولم تقل ما هو. كانت ترى البراعم الندية والظل الكبير والذهب الخريفي والأغصان التسعة العارية شتاءً، وتجلب أحياناً كعكة كاكي تضعها عند الجذر؛ تبقى الكعكة، لكنها تعرف أن الشجرة تعرف.
عملت بعد التخرج، وكثر الخُطّاب، فلم تقابل أحداً. رفعت الجدة عصا المكنسة لتضربها ثم خففت الضربة؛ ولم تغيّر الفتاة قولها: لا أتزوج. سألتها الجدة كيف تعيشين عمرك، فقالت: «لديّ شجرة». قالت الجدة: «وهل ستعيلك الشجرة في شيخوختك؟» فخفضت الفتاة رأسها، وكانت ظلها يمتد إلى الجذر كخيط لا يرى يربطهما.
ماتت الجدة. عاشت الفتاة وحدها في البيت القديم بجوار الجنكة، بلا زوج ولا ولد. كل صباح كانت أول ما تراه الشجرة بنداها، فتجلس عند الجذر وتتكلم أو تصمت وتسمع الورق. وكل مساء كانت آخر ما تراه تاجها الفضي تحت القمر. مضت الفصول والسنون: زادت تجاعيد وجهها وطحلب اللحاء، يبست يدها وعنّد الغصن، ابيض شعرها واصفر ورق قليل من الشجرة، بطؤت خطاها وقصر تأرجحها في الريح. كانا شيخين يشيخان معاً. بلغت التسعين، سليمة قوية وإن حملت عصاً سوداء خفيفة. قال الشيوخ مازحين إن الفتاة والشجرة زوجان؛ لم تغضب، بل ابتسمت، وظهر في زوايا عينيها ظل الطفلة ذات الثماني سنوات.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.