أمضى المحامي تشانغ أكثر عمره يكتب الوصايا: عقارات وأسهم وسيارات ولوحات وآثار، من يهب كل ماله لمعبد، ومن يخفي دفتره في شق جدار، ومن يمنع إعلان موته ثلاثة أيام. لكنه لم يكتب قط عبارة: «اتركوا لي تلك الجنكة».
وضع قلمه ونزع نظارته المقروءة التي لُفّ أحد ذراعيها بشريط أبيض. جلس رئيس القسم ما قبالة العجوز ذات الشعر الأبيض كصقيع الشتاء والظهر المنحني والصوت الواضح الذي لا يرتعش. قالت للمرة الثانية: «مدخراتي القليلة لابنة أخي. البيت القديم للقرية، يتصرفون فيه كما يشاؤون. أما الجنكة فلي. صحبتني أكثر من ثمانين عاماً، ولا أستطيع أن أمضي هكذا. إن جاء أحد ليقطعها، فوصيتي تقول إنها شجرتي؛ ومن يريد مسها فعليه أن يسألني».
قال تشانغ إن الشجرة في أرض عامة، فلا تدخل في التركة قانوناً. لم تجبه. أخرجت من صدرها كيس قماش بالياً رمادياً، فتحته بحبل باهت، ووضعته على الطاولة. كانت فيه ورقة طين جافة متشققة في شكل ورقة جنكة، أصغر من الظفر، وبها خمسة غؤورات من أصابع طفلة في الثامنة. حملها تشانغ فبدت خفيفة، لكن كفه أحسها ثقيلة. قالت: «أعطتني إياها الشجرة بعد نذري. هي أيضاً تعرف الاتفاق وتقرّه».
كتب لها وصية رسمية على الرغم من هشاشتها القانونية، ووثقها. توقفت أصابع السكرتيرة حين كتبت «شجرة جنكة واحدة»، فنظر إليها تشانغ وأومأ؛ وعاد صوت الآلة: طق طق طق، حرفاً حرفاً، يثبت مصير شجرة في الورق. عند الباب سألها من غير أن يقاوم: «هل ندمتِ في شبابك؟». سارت بعصاها وقالت بهدوء: «لم يكن عندي وقت للندم. الكلمة كلمة». رآها تمضي، وإيقاع عصاها يشبه ضربات آلته. وفهم أن الناس يأتون إلى مكتبه ليرتبوا الرحيل، أما هي فجاءت لترتب البقاء. وقد كتبت في وصيتها شجرة ليست لها. ربما لا ينفعها ذلك في القانون، لكنه لم يخبرها؛ ففي هذه الحكاية لم يكن القانون صاحب الكلمة.
وصل صحفي إليها بعد أن بحث في سجل الحي وسأل ابنة أخيها، فوجدها أخيراً في حديقة وسط الشارع. كانت بايغو، «ثمرة الجنكة»، جالسة على مقعد خشبي عروقه كجذع شجرة. أشعل جهاز التسجيل الأحمر وسألها عن نذرها تحت الشجرة وعن وفائها به ثمانين عاماً: هل ندمت، هل أرادت التغيير، هل كان يستحق؟ ظلت صامتة، تنظر إلى شجيرات ورد وعشب وريشات لعب سقطت فوقه، ثم أشارت إلى نبتة جنكة دقيقة لم تبلغ طول إنسان، جذعها بعرض إصبع وأوراقها خضراء كأنها أسنان طفل جديدة.
قالت: «أتدري بم تفكر الشجرة طوال حياتها؟ لا تفكر في شيء. تقف فقط وتعيش. كل ربيع تورق، وكل خريف تسقط أوراقها. لا تكثر التفكير. وما تعد به تنجزه في عمر كامل، بهدوء. يظن الناس أن حراسة شجرة طوال العمر حماقة، لكن الشجرة حرست هذه الأرض ألف سنة: لا تمضي إذا هبت الريح أو نزل المطر أو وقع زلزال. تقف ليلاً ونهاراً. أهي حمقاء؟».
لم يجد الصحفي جواباً. نهضت، وخطت خطوات بعصاها، ثم قالت من غير أن تلتفت: «إذا وعد الإنسان وجب أن يفي. بهذه البساطة. لم أشعر يوماً أنني خسرت شيئاً. لدي تلك الشجرة، ولها أنا. لا يدين أحدنا للآخر ولا يخسر أحدنا من الآخر. كانت هذه الحياة طيبة». لحقها وسأل آخر سؤال: «وهل تعرفين لماذا سقطت؟». توقفت وقالت ست كلمات: «جاء من كنت أنتظره»، ثم مضت. ابتعد صوت عصاها، طق طق طق، كخشب المعبد وكحلقات الشجر، حتى اختفى.
كتب الصحفي الجملة في آخر سطر من دفتره. أحس أن أسئلته كلها، الندم والقيمة، خفيفة كورق أمام نذر دام ثمانين عاماً. من كان المنتظَر؟ الطفلة؟ الشجرة الألفية؟ أم العجوز نفسها؟ لم يدر، لكنه عرف أن عليه كتابة الحكاية، لا لقيمتها الخبرية بل لأن في العالم من أمضى عمره يفي بوعد قاله في الثامنة.
صارت القصة مقطعاً قصيراً حصد ملايين المشاهدات. قال بعضهم إنها حقيقية، وقال آخرون إنها مختلقة أو دعاية، وزعم بعضهم أنها جارة جدته. لكن أحداً لم يفسر شيئاً: بعد سقوط الجنكة فحصوا هوية العجوز، فكان اسمها بايغو حقاً، بايغو ثمرة الجنكة.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.