كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/14 · الأرض الشريرة في الدار العتيقة — الفصل 5
الفصل السابق

14 · الأرض الشريرة في الدار العتيقة — الفصل 5

ما وراء الليل

الفصل التالي

حل الربيع التالي، واكتمل طريق هوايآن: إسفلت عريض بستة مسارات، ووسطه أحواض مربعة فيها أشجار دُلب فرنسي متساوية المسافات، نحيلة كعيدان الطعام. تسقط الشمس عمودية بلا ظل، فيبدو الطريق شديد اللمعان وفارغاً على نحو غير مألوف؛ كوجه فقد حاجبيه، لا تعرف موضع الخلل لكنك ترى أنه ناقص.

في موضع الجنكة رُصفت ساحة صغيرة بقرميد أحمر على شكل معينات. يمارس فيها الشيوخ تاي تشي نهاراً ويركب الأطفال الألواح ليلاً. لكن رقعةً من القرميد لم تستوِ قط: كلما رصفوها تشققت في صباح اليوم التالي، شق رفيع من طرفها إلى طرفها. بدّلوا القرميد والعمّال مراراً، وظل العيب في المكان نفسه. قال آخر عامل: «تحتها جذور الجنكة العتيقة. قطعتم الجذع، أما الجذر فلا يزال في الأرض ينمو، ولو ببطء لا يُرى». رحل، وجاء عمال لا يعرفون الحكاية، فوضعوا طبقة إسمنت ثم قرميداً جديداً. استوى السطح أخيراً، لكن من ينحنِ ويدقق يرى تحت الإسمنت قوساً دقيقاً كأن شيئاً يرفع الأرض برفق. وإذا مررت هناك يوماً فاخفض عينيك؛ لعلك ترى من شق القرميد برعماً أدق من الشعرة.

كان ينبغي أن يُنقل الجذع إلى مصنع خشب، لكن دوائر الآثار والغابات والحدائق تنازعت شهوراً: أرادته الآثار بقايا لشجرة مشهورة، والغابات عيّنة لفحص عمرها، وعدته الحدائق خطراً إن بقي. وانتهى النزاع بأن ظل أفقياً عند حافة الساحة تذكاراً، وطلي بطبقة حماية شفافة. ثم لاحظ الناس براعم جديدة على الجذع الجاف، لا واحدة ولا اثنتان، بل صف كامل على جانبيه، كثيفاً أخضر طرياً؛ رؤوسه صفراء كصغار الإوز ثم تزداد خضرة حتى الزمرد والسواد. خرقت البراعم اللحاء اليابس والحلقات الصلبة وألف سنة من الزمن، واندفعت إلى الخارج. يسقط عليها الندى فتلتمع في الشمس، وترتجف في الريح كأنها تحيي من يراها أو تخبره: «ما زالت هنا».

كان صن دالي يمر متعمداً كل حين، بعد أن انتقل فريقه أبعد في جنوب المدينة يبني بيوتاً ويمهد أرضاً جديدة. يوقف سيارته على جانب الطريق، ينزل النافذة، وينظر إلى الساحة والجذع الراقد وشتلات الجنكة. ثم يرتسم في ذهنه مشهد طفلة في الثامنة تحت جنكة عمرها ألف عام، تشبك كفيها وتقول بصدق: «لن أتزوج طوال حياتي؛ سأبقى مع هذه الشجرة». فهمت الشجرة وحفظت، وحفظت قرناً كاملاً، إلى أن صارت الفتاة لا تمشي إلا بالعصا، وإلى أن جلست عند الجذر وأسندت جبهتها إلى الجذع وقالت كل كلام حياتها. عندها بدا للشجرة أن الأمر اكتمل: جاءت بايغو، تكلمت بايغو، ومضت بايغو، وقد حان للجنكة الألفية أن تستريح.

وفي الليلة السابقة لسقوطها لم تنبح كلاب طريق هوايآن، ولم تصح الديكة. امتلأ الهواء برائحة كثيفة من أزهار الأوسمانثوس والعسل، رائحة توقظ النائم كأن أحداً وضع تحت وسادته حفنة زهر. خرج أناس إلى وراء سياج الورشة فرأوا الجنكة تتوهج كلها، ذهبية دافئة، لا كحريق بل كنور ساكن. كان الضوء يتموج من قلبها كالماء، موجة بعد موجة، فيكسو الجدران المتقشرة والحصى والصفيح، كإله شيخ يستعد للعودة إلى موضعه.

عند أول الضوء في الصباح التالي سقطت الشجرة بصوت هائل. لم تسحق بيتاً ولا تؤذ إنساناً؛ كان ميلها مضبوطاً تماماً، وتوقفت على بعد مترين من أقرب كوخ صفيحي. لم يكن حظاً، بل حساباً. سمع كثيرون الدوي: استيقظ بعضهم من المنام وفركوا عيونهم ثم عادوا إليه، ورآها آخرون من شرفاتهم؛ جنكة أقدم من الحي العتيق تميل ببطء، ببطء، كشيخ ظل يودع أحداً زمناً طويلاً ثم أتم آخر انحناءة واستلقى. تألقت الأوراق على الأرض في الفجر كأن الشجرة بكت حتى ملأت وجهها، أو ابتسمت بعدما اطمأنت.

حاولوا بعد ذلك عد الحلقات فلم يصلوا إلى رقم واحد: قال قائل ألف وثلاثمئة، وقال آخر ألفاً وثمانمئة. لكن الحلقة التي تعود إلى اثنين وثمانين عاماً كانت أعرض وأكثر ضياءً من سواها، خيطاً ذهبياً بين الحلقات. كان ذلك العام الذي تعلمت فيه طفلة صغيرة المشي، ومشت مترنحة إلى الشجرة، ورفعت وجهها بفمها الذي بدّل أسنانه لتوه، وقالت: «يا شجرة، يا شجرة، ما أطيبك».

كبر صف شتلات الجنكة إلى جوار الساحة قليلاً. وكانت واحدة أسرع من أخواتها، تعلوها برأس، وأوراقها أكبر وألمع وأشد ذهبية، منتظمة متناظرة كأنها رُسمت بفرجار. لاحظها شيوخ الحي. وكانت عجوز تمشي كل مساء بعد العشاء بعصا من عقد الخيزران. كلما بلغت تلك الشتلة العالية توقفت ونظرت طويلاً. وفي مرة قالت لزوجها: «تحت جذر تلك الشجرة تجلس عجوز صغيرة جداً». لم يسمعها، فسألها ماذا قالت. كررت كلامها. حدق الرجل طويلاً ولم ير شيئاً، فقال: «تفكرين أكثر مما ينبغي». لكنها أصرت أنها رأتها، وأضافت: «انظر جيداً؛ العجوز بحجم الإبهام تبتسم». كانت العجوز تبتسم حقاً.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.