كان اليوم التالي ملبداً بالغيوم.
استقل شِن دو حافلة من قلب المدينة أربعين دقيقة إلى الضاحية. كان اسم المحطة التي نزل فيها «فم شجرة السوفورا»: ملتقى طرق على شكل حرف T، وعند ناصيته دكان بقالة صغيرة تعلوه لافتة فيها حرف واحد: «دخان». وعلى الجدار إلى جانبه إعلانات مبعثرة: شهادات، شراء الأجهزة المنزلية القديمة بأعلى الأسعار، علاج البهاق المتخصص.
كان زقاق شجرة السوفورا يقع على بعد ثلاثمئة متر إلى الغرب من فم شجرة السوفورا.
وبينما يمشي شِن دو، تنبّه إلى أمر: لم يكن في الزقاق أحد.
لا أنه خلا عرضاً من العابرين؛ بل إن كل بيت خلا من الناس. الأبواب موصدة، والنوافذ موصدة. غطّى الغبار زجاجها. بعضها كان مكسوراً، وقد سُدّت فجواته بصحف قديمة. ابتلّت الصحف بالمطر ثم جفّت، فسال حبرها إلى بقع سوداء. لم يعد يُعرف ما كُتب فيها، لكن عناوين ضخمة كانت ما تزال تلوح: اختفاء. موت. مجهول.
لم يتفحّصها شِن دو. أسرع خطاه.
كان الرقم سبعة عشر في أقصى الزقاق. بابه من خشب الدردار، وفي لوحيه حلقتان حديديتان صدئتان. لم يكن الصدأ متجانساً؛ هنا داكن وهناك فاتح. وكانت المواضع الداكنة سوداء، كأن شيئاً تناثر عليها ثم تجمّد صدأً بمرور الزمن.
انفتح الباب.
لم يكن الفناء كبيراً: أرض من آجر أزرق وفوقها طبقة من الأوراق المتساقطة. لم تكن أوراق هذا العام، بل أوراق أعوام كثيرة؛ طبقة فوق طبقة. تعفنت السفلى فصارت طيناً أسود، وتفتتت الوسطى حتى غدت مسحوقاً، وبقيت العليا صفراء يابسة. وكانت تصدر تحت كل خطوة فرقعة قصيرة.
كان السمسار تشاو واقفاً في الفناء: رجل نحيل في الأربعين، عالِي الوجنتين، غائر العينين، يرتدي قميصاً رمادياً ابيضّ طوقه من الغسل. أومأ حين دخل شِن دو، ثم حوّل بصره عنه: إلى الجدار، فالشجرة، فأوراق الأرض؛ إلى كل شيء إلا عيني شِن دو.
— لقد رأيت البيت.
— رأيته.
— وتعرف الثمن.
— أعرفه.
— فما الذي تريد أن تسأل عنه أيضاً؟
فكّر شِن دو. أراد أن يسأل لماذا كان البيت رخيصاً إلى هذا الحد، لكنه لم يفعل. لا لأنه لا يريد، بل لأن السؤال لا طائل منه: السمسار لن يقول الحقيقة. لكل بيت رخيص طريقته الخاصة في الرخص؛ في بعضها مات إنسان، وفي بعضها أشباح، وبعضها سيئ الطالع، وبعضها يجمع ذلك كله. لن تعرف بالسؤال؛ لن تعرف إلا إن سكنت فيه.
— متى ننهي إجراءات نقل الملكية؟
تجمد تشاو لحظة. واضح أنه لم يتوقع منه السؤال مباشرة عن نقل الملكية. فتح فمه ثم أطبقه، وجال بصره على وجه شِن دو ثلاث مرات؛ جبهته، فجسر أنفه، فذقنه، كأنه يطابقه بصورة ما. ثم أعاد الجولة. وأدخل يده أخيراً في جيب سرواله وأخرج حلقة مفاتيح: ستة مفاتيح، خمسة صغيرة وواحد كبير، كلها نحاسية مخضرة.
— في أي وقت.
أخذ شِن دو المفاتيح. كانت باردة في كفه؛ لا برودة المعدن المعتادة، بل برودة شيء أُخرج لتوّه من باطن الأرض. وقف بها في الفناء، وفوقه دوّت أوراق شجرة السوفورا فجأة. لم تكن ريح، ومع ذلك تحركت الأوراق وحدها.
لم ينقل شِن دو أمتعة كثيرة: حقيبة سفر، وحاسوباً محمولاً، وبعض ملابس الغيار.
وكان يوم انتقاله ملبداً أيضاً، مثل يوم المعاينة. السماء رمادية منذ الصباح ولم تتبدل حتى الظهيرة؛ لا يدري أين اختفت الشمس. كانت الغيوم كثيفة وواطئة، تضغط على أطراف الشجرة. ولما دفع شِن دو باب الفناء حاملاً حقيبته، رأى أن الأوراق أكثر من زيارته السابقة. لم تكن أوراقاً جديدة؛ بل التي دُفنت في الأسفل قد انقلبت إلى أعلى، كأن أحداً قلّبها. لكنه كان يعرف أن أحداً لم يأتِ: المفاتيح معه وحده.
مشى ثلاث خطوات إلى وسط الفناء. كان صرير الأوراق مدوياً: طق. طق. طق. ثم توقف؛ فقد سمع فجأة صوتاً، لا من الفناء بل من تحت الأرض. مكتوم، بعيد، كأن باباً ينغلق. لكن الأرض تحت قدميه صلبة: آجر أزرق، وتحته تراب مدكوك، وتحته طبقات لا يعلم كم تمتد في العمق.
لم يجرؤ على الإمعان في التفكير. حمل حقيبته ودخل الغرفة الأمامية الرئيسية.
كانت ثلاث حجرات: صالة في الوسط وحجرتا نوم عن اليمين واليسار. الصالة خالية تماماً. على الجدران الأربعة صحف قديمة صفراء هشة، تتفتت قطعة حين تمسها اليد. وعلى الأرض سرير من إطار حديدي صدئ، صدؤه مثل حلقتي الباب: مواضع داكنة وأخرى فاتحة. ألواحه من خشب السوفورا، داكنة مضطربة العروق؛ كان عرق كل لوح يبدو كتميمة مرسومة لا تُفهم، لكنها تثير الضيق.
في الليلة الأولى لم يطفئ الشاب الضوء. لم يكن خوفاً من الظلام، بل لأنه لم يألفه. ضوء البيت الجديد يختلف عن ضوء البيت القديم: ضوء البيت الجديد أبيض مستوٍ، يفترش الأرض؛ أما ضوء هذه الحجرة فأصفر مرتجف، يتسرّب خيطاً خيطاً من المصباح. كان مصباحاً متوهجاً بقدرة أربعين واطاً، معلّقاً وسط الصالة، وغطاؤه طبق مينا مقلوب عند حافته كسر. تسرب الضوء من الكسر فرسم ظلاً معوجاً في السقف. لم يتحرك الظل، غير أنه ظل يشعر بأنه يتحرك.
استلقى شِن دو على السرير الحديدي. وسادته منه، وملاءته منه، وقد بسط لحافين تحته لأن الألواح صلبة أكثر من اللازم؛ صلابة حجر لا خشب. تقلب فصرّ الإطار. وبعد الصرير عاد ذلك الصوت: من تحت الأرض، مكتوم بعيد، كأن أحداً يلهث.
دفن صاحب البيت الجديد وجهه في الوسادة، وقال لنفسه: لا تفكر. ما دمت لا تفكر، فالأمر بخير. كانت جدته تقول: «لا تنظر، لا تسمع، لا تفكر؛ لا تمسّ الثلاثة». رددها ثلاث مرات، ثم أغمض عينيه.
لم يندفع الخوف دفعة واحدة؛ بل تراكم طبقة فوق طبقة.
كانت الطبقة الأولى هي اللمس. تسللت برودة البرونز من كل الجهات، لا برد السطح، بل ذلك الذي ينفذ إلى شقوق العظام. كانت كل عظمة ترتجف، لا من البرد، بل من غريزة الجسد؛ فالعظام تعرف أن على بعد ثلاث بوصات جدراناً نحاسية، وخارجها تراباً مدكوكاً لم يمسه أحد منذ ثلاثة آلاف سنة. وفوقه آجر الصالة، وآجر الفناء، وجذور الشجرة العتيقة، والزقاق وبيوته، ثم السماء، يهبط وزنها طبقة فوق طبقة فوق غطاء التابوت وصدره.
والطبقة الثانية هي الشم. اشتدت رائحة صدأ النحاس؛ ليست رائحة معدن خفيفة، بل حامضة قابضة يلاحقها مذاق حلو ضئيل، كرائحة الدم. فصدأ النحاس والدم يتشابهان؛ كلاهما أيونات حديد. امتلأ أنفه بها، ومع كل نفس كانت تتقدم في رئتيه. أراد أن يسعل، غير أن الخوف خنق حلقه فلم يستطع. لم يبق إلا أن يحتمل، حتى غدا لا يدري: أهذه الرائحة من التابوت أم من جسده؟
والطبقة الثالثة هي السمع. جاء الترتيل من خارج التابوت، كلمة كلمة، وكل كلمة تضغط على صدغيه، كأن أحداً يحك جدار النحاس بأظفاره. تشوه الصوت وهو يخترق النحاس، وصار الترتيل يرتد في التابوت طبقة فوق طبقة حتى صار رنيناً عميقاً. بدأت جمجمته تهتز: الفك العلوي، والسفلي، والوجنتان، ومحجرا العينين. لم يعد يستطيع أن يطبق أسنانه؛ اصطكت العليا بالسفلى. لم يكن برداً، بل رنيناً.
والطبقة الرابعة هي البصر. رأى شيئاً في ظلام مطلق، رآه وعيناه مغمضتان. كانت الكتابات على جدران البرونز، نقوشاً لم يتعلمها ولم يرها قط، تضيء بضوء أخضر خافت كفسفور الخشب المتعفن في الصيف. لم تتحرك، بل أعادت ترتيب نفسها حتى تألفت إلى شيء يفهمه، لا إلى كلمات، بل إلى مشهد.
في المشهد فتى يرتدي ثوباً قرمزياً مطرزاً بطائر ذي تسعة رؤوس. وقف فوق منصة عالية، وتحته بشر كثّ لا يُحصون. رفع بيديه صدفة سلحفاة إلى السماء، فلم تجبه. انتظر ثم رفعها مرة أخرى، فلم تجبه أيضاً. نظر إلى شخص في الصف الأول واقف منتصباً، وابتسم. ثم خطا إلى الأمام. لم يمشِ؛ بل قفز، ورأسه إلى أسفل. انتفخ ثوبه في الريح، وبدا طائر الرؤوس التسعة في الشمس كأنه يطير حقاً. ثم انقطع المشهد.
فتح شِن دو عينيه وحدّق في السواد فوقه. ما هذا؟ من ذلك الفتى؟ ومن الرجل الذي وقف في المقدمة؟
لم يكن لديه وقت للتفكير؛ فقد تحرك غطاء التابوت. لم يكن وهماً في الحلم. كان يهبط بوصة بوصة. ومع كل بوصة ينقص الهواء وتكافح رئتاه أكثر. حاول دفعه، ولمست أصابعه جدار النحاس: لم يكن ناعماً، بل مليئاً بحفر دقيقة، بتلك الكتابات التي عاشت ثلاثة آلاف عام. كانت خطوطها بارزة ذات حواف، وكل خط كأنه صُبّ لتوّه وما زالت فيه حرارة صهر البرونز.
استمر الغطاء في الهبوط: سبع بوصات، ست، خمس.
لم يعد شِن دو يستطيع الانتظار. جمع كل قوته، من أصابع قدميه إلى معصميه، في فعل واحد: الدفع. وضرب بكفيه الغطاء.
لم يتحرك الغطاء.
دفع الشاب مرة ثانية وثالثة ورابعة. انسلخ جلد كفيه، وسال الدم على جدار النحاس. كان الدم ساخناً والنحاس بارداً. وفي لحظة ملامستهما انقطع الترتيل، لا على مهل، بل كوتر مشدود قُصّ. ثم سكن كل شيء، حتى سمع دمَه يجري في عروقه.
ثم استيقظ.
)
استيقظ شِن دو، منتفضاً من السرير حتى ضرب ظهره رأس السرير الحديدي واصطدم مؤخر رأسه بالأنبوب. تألم، وكان الألم طيباً؛ لأنه يعني أنه مستيقظ، وأن ما حدث حلماً.
لهث حتى سال العرق من جبهته إلى أنفه ثم إلى زاوية فمه. رفع رأسه: المصباح ما يزال مضاءً، وكسر غطاء المينا ما يزال هناك. لم يتحرك الظل. لم يكن إلا ظلاً.
نظر صاحب البيت الجديد إلى هاتفه: الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجراً.
كان الخارج أسود، لا سواد الليل العادي، بل سواداً ابتلع كل ضوء. لا قمر ولا نجوم ولا حتى هيئة البيت المقابل. لم يبق في العالم إلا نور الأربعين واطاً في هذه الغرفة. نهض شِن دو واتجه إلى النافذة الخشبية. كان الزجاج مغشّى بطبقة رماد. حكها بإصبعه فلم تزُل؛ لم تكن خارج الزجاج، بل بين طبقتيه. اقترب فرأى أنها ليست غباراً بل عفناً أخضر مزرقاً، على هيئة صدأ النحاس.
كصدأ التابوت.
تراجع شِن دو خطوة، فداس شقاً في بلاط الأرض لم يكن هناك بالأمس. امتد من الباب إلى تحت السرير. أضاء مصباحه اليدوي وانحنى؛ كان الشق أجوف. لم يكن فاصلاً بين الآجر، بل آجرة متصدعة، وتحتها طبقة سوداء، ليست حجراً، بل أعمق من الحجر.
ألصق أذنه بالأرض.
فسمعها.
شهيق... زفير... شهيق... زفير...
لم يكن نَفَسه هو، بل نَفَساً من تحت الأرض.
<!-- UNIT 1 complete: source lines 1–135 -->
في صباح اليوم التالي ذهب شِن دو إلى دكان البقالة عند رأس الزقاق ليشتري ماءً. كانت صاحبته عجوزاً اسمها وانغ، يناديها الجميع «الجدّة وانغ». حين عرفت أنه يقيم في الرقم سبعة عشر، سحبت يدها من فوق المنضدة كأنها لمست جمراً، وسألته عن الثمن. قال: «ثمانون ألفاً». فتمتمت بشتمة مبهمة؛ لم يدرِ أكانت تلعن البائع أم المشتري أم البيت نفسه.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.