في الليلة الثانية أقنع نفسه بأن الحلم الأول من أثر الغربة. غسل وجهه عند صنبور حديدي قديم، خرج منه ماء أصفر ثم صافٍ، بارداً كأنه ماء بئر. وفوق المغسلة مرآة مخدوشة شطرت كل خد إلى شطرين. حدّق في صورته طويلاً، ثم شعر أن الرجل فيها صار أنحف: وجنتاه أعلى، ومحجرا عينيه أعمق، وذقنه أحدّ؛ كأنه السمسار تشاو.
نام بلا ضوء، لأنه عرف أن المصباح لا يصدّ حلماً. فعاد إلى التابوت البرونزي. هذه المرة كان الغطاء ينطبق ببطء، ونقوشه مصبوبة في المعدن منذ آلاف السنين. ضاق الهواء حتى اصطدم صدره بالنحاس، وسمع خارج التابوت ترتيلاً بلغة أقدم من كل لهجة عرفها: مقاطع قصيرة، كأنها منقورة من حجر. وحين لامس أنفه الجدار، أحس أن برودته ذاكرة: التابوت يتذكر كل جسد رقد فيه، مواضع الأكتاف والركب والكاحلين. كان الترتيل لا يحمل إلا معنى واحداً: انتظار بلا نهاية؛ انتظار رجل، أو مفتاح، أو جواب.
استيقظ عند الفجر وعلى ظهر يده آثار ضغط متساوية المسافة، كأن أضلاعاً أطبقت عليها. كانت شقوق السقف والأرض قد اتسعت. سلّط ضوء هاتفه في شق البلاط فرأى فراغاً ينحدر ثم ينعطف، وسطحاً مقطوعاً بأداة. لم يختر حقاً أن يكسر الأرض؛ بدا كأن قوة أخرى اختارت عنه. كسر أربع آجرات بقطعة حديد صدئة، فسقطت الشظايا طويلاً قبل أن تسمع لها ضربة مكتومة. وتحت نصف متر مربع من البلاط ظهرت درجات حجرية زرقاء، ضيقة عالية، لا تصلح لخطوة إنسان معاصر.
نزل. كانت إحدى وثمانين درجة، تسعاً في تسع. وعلى الجدران رسوم محفورة: رجل ذو تاج عالٍ يشبه القرنين؛ راكع أمامه إناء برونزي؛ بخار يصعد نحو شمس أو وجه إله؛ ثم جسد مستلقٍ تخترقه خطوط الدم. بعد الدرجة الخمسين صار الحجر رطباً، والماء الذي يرشح منه ليس ماءً ولا زيتاً، بل شمعاً فاتر الحرارة. ومن الخامسة والخمسين صار وقع القدم أجوف، كأن تحت الدرج تجاويف يستيقظ فيها شيء ويتقلب.
تكاثرت النقوش عند الدرجة الثامنة والخمسين. رأى بصمة يد يسرى لعامل حجارة، ثم صورة الكاهن ذي التاج وهو يرفع صدفة سلحفاة. في نقش الدرجة الستين انقطع أثر الإزميل فجأة؛ تخيل الحرفي وقد رأى شيئاً ففرّ قبل ثلاثة آلاف عام. أدخل شِن دو إصبعه في القطع الحاد فنزف. سارت قطرة دمه في مجرى النقش إلى صورة راكع وتوقفت، كأن الحجر شربها.
عند السبعين ظهر صاحب التاج راقداً في تابوت، وإلى جانبه شخص أطول بلا وجه. أما الدرجة الحادية والثمانون فانتهت إلى باب حجري بحلقتين برونزيتين معلقتين أعلى من موضعهما الطبيعي، كما لو أن البناء خُصص لكائن أطول من البشر. دفعه شِن دو بكل جسده، ففتح الباب أخيراً.
كان خلفه صف من القدور البرونزية العملاقة، بنقوش وحوش وسحب ورعود وتنانين كُوي، لا موضع فارغاً فيها لأن القدماء كانوا يرون الفراغ مأوى للشر. سار بينها في ممر ضيق، والنحاس الأخضر يلامس جسده كأيدٍ كثيرة تريد حرارة إنسان حي. ثم انفتح أمامه قبر هائل: سقف مرتفع مرسوم عليه نجوم قديمة بلون الزنجفر الداكن كالدم الجاف، وأربع دعائم برونزية، وستة وثلاثون قدراً، وفي الوسط منصة من ثلاث درجات وتابوت برونزي نصف مفتوح.
كان إلى جانبه رجل جالس القرفصاء عند عمود برونزي التفّت حوله جذور شجرة هوائي اخترقت التراب والسقف عبر القرون. ثوبه حرير داكن لم يبلَ، ووجهه شمعي منكمش، غير أن عينين يابستين ظلتا في محجريهما وتنظران إلى الباب. ظل ينتظر من يفتحه. انحنى شِن دو له، ثم اقترب من التابوت. وعلى أطراف المنصة أربعة وحوش نحاسية بجسد نمر ورأس إنسان وأسنان من يشم أبيض. كانت أحرف التابوت برونزيات من عهد تشو الغربية، لا يستطيع قراءتها، لكن عينيه قرأتاها كصور.
رأى في الرؤيا كاهناً من أسرة جي اسمه جي وو جيو، سيد الكهنة في البلاط الغربي. كانت له مرآة برونزية تسمى «مرآة استعارة الوجه»: لا تعكس الوجه، بل القدر والوجوه الماضية والوجهة المقبلة. وله ابن وحيد جي تشاو، فتى جميل يقرأ عظام العرَافة في الحادية عشرة، ويقيم الشعائر في الخامسة عشرة، ثم مات في التاسعة عشرة حين سقط مقلوباً من مذبح السماء. حمله أبوه وركع ثلاثة أيام، ثم اتخذ قراراً ينازع نظام السماء: سيحفظ وجه ابنه في المرآة حتى يجد، بعد آلاف السنين، جسداً جديداً يحمل الوجه ويعيده إلى الحياة.
فتح شِن دو غطاء التابوت. لم يجد عظاماً بل جسداً محفوظاً في طبقة شفافة كالعنبر، بثوب قرمزي من خيوط ذهبية عليه طائر تسعة رؤوس: طائر جيوفنغ المقدس. كان ذلك جي وو جيو، أو بالأحرى ابنه الذي حفظه. وحين رأى شِن دو الوجه، ارتجف؛ كان وجهه هو بالضبط.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.