كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/17 · يينغ لونغ حبيس الأرض
الفصل السابق

17 · يينغ لونغ حبيس الأرض

ما وراء الليل

الفصل التالي

جبل بوجو. عمود السماء الوحيد بين السماء والأرض.

كان جسده الجبلي، الأزرق المسودّ، ينتصب في السحاب حتى لا تُرى قمته. صخوره كالحديد، لا ينبت عليها عشب. لم تترك عليه رياح الصقيع والمطر عبر مئات الملايين من السنين إلا آثاراً ضحلة؛ حتى الزمن فقد قدرته هنا.

عند قمة العمود كانت الطاقة الروحية تنهال كشلال. أمواج بيضاء من النفَس الروحي تتدافع، تصدم الجبل فتتناثر منها آلاف النقاط المضيئة. تهوي تلك النقاط نحو الأرض، ثم تتبدد في منتصف الطريق — كانت رقيقة إلى حد أن العشب والشجر لا يستطيعان امتصاصها.

عند سفح الجبل، قاعة حجرية.

نُحتت القاعة من كتلة واحدة من الصخر الأسود، بلا باب ولا نافذة. ونُقشت على سقفها رموز قديمة، يتوهج كل منها وهجاً خافتاً ويتجاوب مع عمود السماء. خمسة آلاف عام، ولم ينطفئ نورها قط.

في القاعة جلس جو مانغ متربعاً.

كان جو مانغ قد شاخ كثيراً. شعره أبيض كالثلج، ينسدل إلى الأرض ويفرشها ببياضه. جلده يابس كلحاء الشجر، وتجاعيده عميقة تكفي لحبس الغبار. أما عيناه وحدهما فخضراوان كشجر عتيق في أعماق الجبال، تشعان بضوء غامض.

خمسة آلاف عام وهو يحرس العمود.

حرس إلهُ العمود هذا المكان منذ كان في عنفوانه حتى بلغ أرذل العمر، منذ كان دمه يغلي حتى صار قلبه كخشبة يابسة. كان يذكر يومه الأول: الطاقة الروحية في العمود كثيفة تخنق الأنفاس. يومها كانت الموجودات على الأرض مزدهرة، تنمو النباتات بجنون وتسرح قطعان الوحوش. أما الآن؟

فتح جو مانغ عينيه.

— الشمال. قال بصوت أجش كقشرة شجرة متشققة: «سيل عظيم قادم.»

نهض وخرج من القاعة. كانت سماء الشمال سوداء كالحبر، والسحب تتقلب فيها. لم تكن سحب مطر، بل هالة قتل كثيفة تفوح منها رائحة الدم.

ضيّق جو مانغ عينيه.

— غونغ غونغ.

عرف حارس العمود تلك الهالة. إله المياه، أصل المياه كلها. في العوالم الثلاثة، لم يكن ثمة من يستطيع أن يثير نية قتل تغمر السماء كهذه غيره.

هرع إله صغير من البعيد وخرّ راكعاً: «يا سيدي حارس العمود! انهزم جيش غونغ غونغ!»

لم يلتفت جو مانغ: «تكلّم.»

— «اتحد الإمبراطور تشوان شيو مع تشو رونغ، فهزما غونغ غونغ هزيمة ساحقة عند سفح كونلون. فلول قبائل الماء الثلاثة آلاف تهرب غرباً، وهي تتجه الآن إلى جبل بوجو!»

صمت جو مانغ.

— «وأرسل السيد تشو رونغ رسالة…» تردد الإله الصغير، «يطلب فيها منكم أن تحرسوا عمود السماء بإحكام، وألا تسمحوا لغونغ غونغ بالاقتراب.»

— «ولماذا؟»

— «قال السيد تشو رونغ إن غونغ غونغ، بعد هزيمته، قد يُقدم على فعل متهور.»

استدار جو مانغ، وحدق بعينيه الخضراوين في الإله الصغير: «يخشى أن يصدم غونغ غونغ الجبل؟»

لم يجرؤ الصغير على الإجابة.

رفع جو مانغ رأسه إلى عمود السماء. ظل جسم الجبل الأزرق المسود صامتاً كما كان، وظل شلال الطاقة الروحية يدوي. خمسة آلاف سنة وهو يحرس هنا، يرى طاقة السماء تنحدر من قمة العمود ثم يتقاسمها الآلهة. أما ما يصل إلى الأرض وكائناتها فليس إلا فضلات مائدة.

— «أصدروا الأمر.» كان صوته هادئاً. «أقيموا حاجز الأعمدة الاثنين والسبعين.»

ارتفع اثنان وسبعون عموداً حجرياً من الأرض، يحيطون بجبل بوجو. غُطّي كل عمود بتعاويذ، واتصلت الأعمدة بعضها ببعض فنسجت شبكة ضوء هائلة. جرى النور الإلهي بين خيوطها مصدراً طنيناً منخفضاً.

وقف جو مانغ في وسط الشبكة، وشعره الأبيض يرف في الريح.

قال همساً: «غونغ غونغ، لا تأتِ.»

كانت فلول قبائل الماء الثلاثة آلاف تشق طريقها بصعوبة في البرية.

كانت يوماً أفخر القبائل بين السماء والأرض: ذيول سمك وأجساد بشرية، وحراشف تبرق تحت ضوء القمر. أما الآن فحراشف محطمة وأجساد دامية، حتى إن القوة على المشي تكاد تنفد.

كان غونغ غونغ يسير في المقدمة.

بلغ جسده الحقيقي ثلاثين ألف جانغ، لكنه اتخذ في تلك اللحظة هيئة إنسان عادي. ثوبه الأزرق ممزق، وعلى جلده العاري حروق ممتدة — فنار تشو رونغ ليست مما يُحتمل بسهولة.

— «سيدي.» لحق به شيانغ ليو من الخلف.

لم يجبه غونغ غونغ.

— «سيدي!» اعترضه شيانغ ليو. «لا نستطيع أن نتابع!»

توقف غونغ غونغ ونظر إلى مستشاره. كان شيانغ ليو أفعى ذات تسعة رؤوس، وقد تدلت رؤوسه جميعاً الآن، ولم يجرؤ على رفع رأسه للكلام إلا الرأس الأوسط.

— «ما الذي أمامنا؟» سأل غونغ غونغ.

— «جبل بوجو.» ارتجف صوت شيانغ ليو. «موضع عمود السماء، ويحرسه جو مانغ. يا سيدي، لنلتف من طريق آخر.»

— «نلتف؟»

— «نعم.» قالها على عجل. «جو مانغ، وإن شاخ، فقد حرس العمود خمسة آلاف عام، وقوته عميقة لا يُعرف قرارها. ونحن أُنهكنا الآن، فإن اقتحمنا المكان قسراً فـ…»

— «فماذا؟»

— «فسيفنى الجيش كله!»

ضحك غونغ غونغ.

لم يكن في ضحكته فرح، بل تعب ومرارة بلا قرار.

— «يفنى الجيش كله؟» كرر بخفوت. «وهل بقي لنا جيش أصلاً؟»

عجز شيانغ ليو عن الكلام.

أدار غونغ غونغ بصره فيمن بقي من قبائل الماء. منهم مقطوع الذراع، ومنهم أعمى، ومنهم لا يكاد يقف. ذلك هو جيش إله الماء، الجيش الذي كان يستطيع يوماً أن يثير أمواجاً بارتفاع عشرة آلاف جانغ.

— «انتصر تشوان شيو.» قال غونغ غونغ. «وانتصر تشو رونغ. استوليا على السماء واقتسما الطاقة الروحية، والآن جاء دورنا.»

— «يا سيدي…»

— «أتدري كم من الطاقة الروحية في السماء؟» قاطعه غونغ غونغ. «عند قمة عمود السماء تهبط كالشلال، لكن ذلك الشلال لا يسيل إلا إلى السماء لينعم به الآلهة. ونحن؟ لا نشرب إلا فضلاتهم!»

خفض شيانغ ليو رأسه: «يا سيدي، لا يجوز قول هذا.»

— «ولماذا لا يجوز؟»

— «هذه هي قواعد السماء.»

— «قواعد السماء؟» ضحك غونغ غونغ بصوت عال. «من وضعها؟ تشوان شيو؟ تشو رونغ؟ أم إمبراطور السماء القابع في عليائه؟»

انكمشت رؤوس شيانغ ليو التسعة: «يا سيدي، احذر كلامك.»

حدق غونغ غونغ به، ثم انطفأت ضحكته فجأة.

— «شيانغ ليو، كم عاماً تبعتني؟»

— «ثلاثة آلاف عام.»

— «ثلاثة آلاف.» أومأ غونغ غونغ. «رأيتني أحارب، ورأيتني أُهزم أمام تشو رونغ، ورأيتني أهرب بالفلول. في رأيك، لماذا ما زلت أريد الذهاب إلى جبل بوجو؟»

صمت شيانغ ليو.

— «تعرف الجواب في قلبك. انطق به.»

تبادل الرؤوس التسعة النظرات، ثم رفع الأوسط رأسه أخيراً: «يريد سيدي… أن يصدم عمود السماء.»

— «صحيح.»

— «لا يمكن!» ارتمى شيانغ ليو على ركبتيه، وانحنت رؤوسه التسعة إلى الأرض. «يا سيدي! عمود السماء دعامة السماء والأرض؛ إن كُسر سقطت السماء وانخسفت الأرض وهلكت الموجودات كلها!»

— «أعرف.»

— «تعرف، ومع ذلك تفعل؟»

انحنى غونغ غونغ ونظر إلى رؤوسه: «في رأيك، أهذه الموجودات تعيش الآن حياة حسنة؟»

تجمد شيانغ ليو في مكانه.

وأشار غونغ غونغ حوله: «انظر إلى هذه البرية. هل ترى نبتة خضراء واحدة؟ وهل ترى في هذه السماء طائراً؟ وفي هذه الأرض دابة تمشي؟»

نظر شيانغ ليو. لم يكن في البرية إلا عشب أصفر ذابل متناثر. رفع رأسه؛ السماء رمادية قاتمة، ولا حتى عصفور فيها. وخفض بصره؛ الأرض مشققة، حتى النمل نادر فيها.

— «هذه هي السماء والأرض اليوم.» كان صوت غونغ غونغ مبحوحاً. «امتصت السماء الطاقة الروحية كلها، ولم يبق للموجودات على الأرض إلا أن تتشبث بحياتها. ماذا تظن أن المنظر سيكون بعد خمسة آلاف عام، أو عشرة آلاف؟»

لم يجد شيانغ ليو جواباً.

— «ستموت الموجودات جميعاً.» قال غونغ غونغ. «ستصير الأرض صحراء، وتموت النباتات وتفنى الدواب. وفي النهاية حتى الماء سيجف، ولن تبقى قبائل الماء حية.»

— «لكن… لكن كسر عمود السماء سيقتل عدداً أكبر.»

— «ألم ساعة أم ألم أزمان؟» سأله غونغ غونغ. «إذا انكسر العمود أموت أنا، وتتألم الموجودات حيناً. لكن الطاقة الروحية ستتفجر من جوف الأرض، ولن تبقى وقفاً على السماء. عندها تستطيع الموجودات كلها امتصاصها وتزدهر من جديد.»

— «يا سيدي…»

— «استولى تشوان شيو وتشو رونغ على السماء، لذلك لا يريدان للعمود أن ينكسر. إن انكسر، فقدت السماء مصدر طاقتها، فكيف يرضيان؟» ابتسم غونغ غونغ بسخرية. «لكنني أرضى. أبادل حياتي بطريق نجاة للموجودات.»

ارتجفت رؤوس شيانغ ليو التسعة: «يا سيدي، فكّر مرة أخرى!»

— «لا حاجة إلى التفكير.» استدار غونغ غونغ ومضى. «فكرت في الأمر ثلاثة آلاف عام.»

نهض شيانغ ليو ولحق به: «يا سيدي! لن يسمح لك جو مانغ بالاقتراب من عمود السماء!»

— «أعرف.»

— «قوته لا يُعرف قرارها! ونحن منهكون، لا نستطيع هزيمته!»

— «أعرف.»

— «فلماذا تمضي؟»

توقف غونغ غونغ والتفت إليه: «لأنها فرصتي الوحيدة.»

ظل شيانغ ليو صامتاً، بينما واصل غونغ غونغ: «فاز تشو رونغ، وفاز تشوان شيو؛ السماء لم تعد موضعاً لي. هربت بكم إلى هنا، ولم يبق طريق للرجوع. إما أن نموت هنا، أو نصدم عمود السماء ونموت لمغزى.»

— «يا سيدي…»

— «شيانغ ليو، تبعتني ثلاثة آلاف عام، ولم أطلب منك شيئاً قط. واليوم أطلب منك أمراً واحداً.»

رفعت الرؤوس التسعة: «قل ما تأمر به.»

— «خذ من بقي من القوم وارحل من هنا. إلى أبعد مكان تستطيع.»

— «يا سيدي!»

— «في لحظة انكسار العمود ستسقط السماء وتنخسف الأرض. كلما ابتعدتم، زادت فرص نجاتكم. وحين يهدأ كل شيء، عودوا. سيكون في الأرض آنذاك طاقة روحية، وستنمو الموجودات من جديد. وستبقى قبائل الماء أيضاً.»

سال الدمع من الرؤوس التسعة: «يا سيدي، فلنمضِ جميعاً!»

— «لا أستطيع الرحيل.» هز غونغ غونغ رأسه. «أنا إله الماء وأصل المياه. إن رحلتُ، فمن سيصدم عمود السماء؟»

— «دعني أنا أذهب!» صاح شيانغ ليو. «لي تسعة رؤوس، وحياتي عصية!»

ابتسم غونغ غونغ: «مهما كانت حياتك عصية، أتستطيع كسر عمود السماء؟»

لم يستطع شيانغ ليو الكلام.

— «أنا وحدي.» قال غونغ غونغ. «إله الماء وحده يستطيع كسر عمود السماء.»

استدار ومضى.

ظل شيانغ ليو راكعاً، يتطلع إلى ظهره ودموعه تحجب الرؤية.

وفي الأمام بدأ جبل بوجو يلوح. جسمه الأزرق المسود يعلو إلى السحاب، وتحيط بسفحه الأعمدة الحجرية الاثنان والسبعون. كان النور الإلهي متشابكاً بينها كشبكة، يطنّ طنيناً خافتاً، ووقف جو مانغ أمامها، شعره الأبيض يرف وعيناه الخضراوان تتقدان.

توقف غونغ غونغ ونظر إلى الجبل.

— «جو مانغ، مضت خمسة آلاف سنة. أأنت بخير؟»

أخذ إله الماء نفساً عميقاً وبدأ يتحول.

انتفخ جسده: من هيئة إنسان، إلى جانغ، فعشرة، فمئة، فألف، فعشرة آلاف. ثم ظهرت هيئته الحقيقية كاملة — جسد إله الماء البالغ ثلاثة آلاف جانغ!

كان أزرق كله كالبلور المائي، شفافاً حتى يُرى الدم يجري في داخله. عضلاته صلبة كالصخر، وعروقه تندفع كأنهار. وتحولت عيناه إلى بركتين عميقتين تبرقان بزرقة غامضة.

وخرجت من جسده تسعة تنانين مائية، تدور حوله. كان طول كل واحد منها مئة جانغ، وحراشفها تشع ببريق بارد وزئيرها يهز السماء.

— «يا جبل بوجو!» دوى صوت غونغ غونغ كالرعد فارتجفت الأرض. «غونغ غونغ قد أتى!»

وقف جو مانغ أمام شبكة الضوء، يتطاير شعره الأبيض في الريح وعيناه الخضراوان لا تفارقان غونغ غونغ.

— «غونغ غونغ.» صوته أجش. «مضت خمسة آلاف سنة. أأنت بخير؟»

— «جو مانغ.» نظر غونغ غونغ إليه من علٍ. «بعد خمسة آلاف سنة، ما زلت تحرس هنا.»

— «ذاك واجبي.»

— «واجب؟» ضحك غونغ غونغ. «واجبك أن تحرس العمود فتحتكر السماء الطاقة الروحية ويموت كل ما على الأرض جوعاً؟»

صمت جو مانغ.

— «أتدري كيف صار الخارج؟» زأر غونغ غونغ. «مات العشب والشجر، وانقرضت الدواب، وحتى الماء يكاد يجف! هذه ثمرة حراستك خمسة آلاف عام!»

— «أعرف.» ظل صوت جو مانغ هادئاً. «لكن لا يمكنني أن أدعك تصدم عمود السماء.»

— «لماذا؟»

— «إن انكسر العمود سقطت السماء وانخسفت الأرض، وفنيت الموجودات.»

— «ذلك مؤقت!» زأر غونغ غونغ. «ستخرج الطاقة الروحية من الأرض، وتنمو الموجودات من جديد! وستكون أفضل مما هي الآن!»

— «هذا مجرد ظنك.» هز جو مانغ رأسه. «لم ينكسر عمود السماء من قبل، فمن يدري ما الذي سيقع؟»

— «أنا أدري!» امتلأ صوت غونغ غونغ بالعزم. «لأني رأيت بعيني حين انفتحت السماء والأرض؛ كانت الطاقة الروحية تخرج من جوف الأرض. يومها كانت الموجودات مزدهرة، لا سماء عليا ولا آلهة ولا أولئك القابعون في الأعالي!»

صمت جو مانغ.

— «جو مانغ.» خفت صوت غونغ غونغ. «حرستَ خمسة آلاف عام، وأنت أدرى مني. هل صارت السماء والأرض أفضل؟»

لم يجب جو مانغ.

— «لم تصبح.» قال غونغ غونغ. «إنها تسوء يوماً بعد يوم. وبعد خمسة آلاف عام لن تنبت هنا حتى نبتة. فما الذي تحرسه في عمودك؟»

— «أحرس النظام.» قال جو مانغ أخيراً. «للسماء والأرض نظام، لا يجوز العبث به.»

— «النظام؟» ضحك غونغ غونغ. «نظام من؟ نظام تشوان شيو؟ تشو رونغ؟ أم إمبراطور السماء في عليائه؟»

لم يقل جو مانغ شيئاً.

— «تلك القواعد وُضعت للموجودات، لا للآلهة.» حمل صوت غونغ غونغ تهكماً. «الآلهة في السماء، ينعمون بالطاقة الروحية. والموجودات على الأرض لا تنتظر إلا الموت. أذلك هو النظام؟»

— «غونغ غونغ…»

— «أتيت اليوم لأكسر النظام!»

قبض غونغ غونغ يده فجأة، وزأرت التنانين المائية التسعة معاً زئيراً يصم السماء.

— «جو مانغ.» دوى صوته كالرعد. «تنحَّ!»

هز جو مانغ رأسه: «مستحيل.»

— «فلا تلمني إذن!»

رفع غونغ غونغ ساقه اليمنى وضرب بها الأرض. ارتجت الأرض، وانتشرت شقوقها في كل صوب، وتطاير الحصى وثار الغبار. أخذ نفساً عميقاً، فاندفع الهواء كله من حوله إلى جسده، وشكّل دوامة هائلة.

— «اهجموا!»

اندفعت التنانين المائية التسعة أولاً، تزأر وتهجم على شبكة الضوء.

رفع جو مانغ يده، فأضاءت الأعمدة الاثنان والسبعون في آن واحد. تجمع النور في شبكة وصار ترساً عملاقاً. اصطدمت التنانين بالترس فانفجر ضوء يخطف البصر.

دوّى انفجار!

ارتدت التنانين، وظهرت في الترس شقوق.

تغير وجه جو مانغ.

— «غونغ غونغ، أحقاً ستخاطر بحياتك؟»

لم يجب غونغ غونغ. خطا إلى الأمام وبدأ الهجوم.

حين ركض جسده الذي يبلغ ثلاثة آلاف جانغ، ارتجت الأرض تحت قدميه. كل خطوة حفرت حفرة ضخمة وتناثرت منها الحجارة. كان جسده يلمع؛ إنها علامة احتراق قوة إله الماء حتى أقصاها.

— «جو مانغ!» دوى صوته كالرعد. «لن تستطيع منعي!»

أضاءت الأعمدة الاثنان والسبعون ثانيةً، وتكاثفت شبكة الضوء. لكن الشبكة لم تعد ترساً، بل تحولت إلى عدد لا يحصى من الرماح النورانية المصوّبة إلى غونغ غونغ.

— «غونغ غونغ.» كان صوت جو مانغ مبحوحاً. «إن رجعت الآن فما زال هناك متسع.»

لم يرجع غونغ غونغ.

واصل هجومه، والتنانين التسعة تدور حوله لتصد الرماح عنه.

نفذ رمح نوراني في تنين مائي وغرز في كتف غونغ غونغ.

تناثر دم إلهي.

أنّ غونغ غونغ مكتوماً، ولم يتوقف.

ثم اخترقت ثلاثة رماح أخرى جسده: صدره الأيسر، وبطنه الأيمن، وساقه اليسرى. فاض الدم الإلهي من الجروح وصبغ جسده بالأزرق.

— «يا سيدي!» صاح شيانغ ليو من الخلف. «توقف!»

لكنه لم يتوقف.

ظل إله الماء يندفع، وكل خطوة تحمل دماً.

ارتعشت عينا جو مانغ الخضراوان: «غونغ غونغ، ألا تخاف الموت حقاً؟»

ابتسم غونغ غونغ.

لم يكن في ابتسامته ألم، بل راحة مستسلمة.

— «جو مانغ، أنا أخاف الموت. لكن خوفي من أن تصير السماء والأرض أرض موت أكبر.»

رفع يده اليمنى، فتجمعت التنانين المائية التسعة فيها وصارت سيف ماء هائلاً.

— «هذه الضربة من أجل الموجودات على الأرض!»

هوى سيف الماء على شبكة النور.

دوّى انفجار!

تحطمت الشبكة، وانفجرت الأعمدة الاثنان والسبعون في وقت واحد وتناثر الحطام. طار جو مانغ بعيداً وارتطم بالجبل بعنف، وبصق دماً.

وقف غونغ غونغ أمام الشبكة المكسورة، مغموراً بالدم.

— «جو مانغ.» نظر إلى الحارس الملقى على الأرض. «سامحني.»

كان جو مانغ مستلقياً، شعره الأبيض مبعثر وعيناه الخضراوان تنظران إليه: «غونغ غونغ… أتدري كم سيموت بسبب هذه الضربة؟»

— «أدري.»

— «ومع ذلك ستصدم؟»

— «لأن بقاءي حياً سيقتل عدداً أكبر.»

استدار غونغ غونغ نحو جبل بوجو. كان جسمه الأزرق المسود أمامه. شعر بتدفق القوة الروحية في جوف عمود السماء، قوة واسعة بلا حد. إن كسره، خرجت الطاقة الروحية من باطن الأرض وعاشت الموجودات.

— «شيانغ ليو!» صاح ملتفتاً. «خذ القوم وارحل!»

ظل شيانغ ليو راكعاً، ورؤوسه التسعة تبكي: «يا سيدي!»

— «ارحل!»

أخذ غونغ غونغ نفساً عميقاً. تشدت عضلاته كلها، واشتعل دمه الإلهي وغلت قوة إله الماء. أضاء جسده بزرقة البحر العميق.

— «يا جبل بوجو!» زأر. «غونغ غونغ آتٍ إليك!»

وانطلق. تحول جسده الذي يبلغ ثلاثة آلاف جانغ إلى شعاع أزرق اصطدم بعمود السماء.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.