وقف غونغ غونغ في الهواء، وراح جسده يتمدد بعنف. ظهرت هيئته الحقيقية ذات الثلاثة آلاف جانغ، زرقاء صافية كجليد عمره عشرة آلاف عام. خرجت من عموده الفقري تسعة تنانين مائية تدور وتزأر؛ طول كل منها مئة جانغ، وحراشفها مهيبة وعيونها حمراء كالدم.
— «افتحوا!»
صاح غونغ غونغ، فالتفت التنانين التسعة حوله وتحولت إلى تسع حلقات من الماء. دارت الحلقات واستدعت مياه البحار الأربعة. في مدى ألف لي، انهمر المطر. انقلب ماء النهر السماوي إلى أسفل، وتفجرت ينابيع باطن الأرض. تكاثف بخار الماء حول غونغ غونغ حتى بدا كأنه يرتدي درعاً ثقيلاً.
خطا خطوة، فحطم السحاب. وخطوة أخرى، فاهتزت الجبال والأنهار. وبعد ثلاث خطوات بلغ موضعاً يبعد ثلاثمئة لي عن جبل بوجو.
كانت الأعمدة الاثنان والسبعون قد تحطمت، وشبكة الضوء قد انكسرت. قُذف جو مانغ بعيداً، وحطّم ثلاث قمم جبلية قبل أن يسقط على كومة صخور لا ينقطع عن بصق الدم.
وقف غونغ غونغ أمام بوجو، مغموراً بالدم. تشققت هيئته ذات الثلاثة آلاف جانغ في مواضع لا تحصى، وانساب دمه الأزرق من الجراح فتجمع في الأرض جداول.
جاء شيانغ ليو، الأفعى ذات الرؤوس التسعة، راكباً الأمواج. كانت رؤوسه التسعة تتراقص ووجوهها مختلفة التعابير، ثم ركع أمام غونغ غونغ.
— «يا سيدي! تحطمت الأعمدة، لكن في جسم جبل بوجو محرّمات وضعها إمبراطور السماء! وأنت مصاب إصابة بالغة، فإن واصلت الصدم فستموت حتماً! لِمَ لا…»
التفت غونغ غونغ إليه. كانت عيناه هادئتين، بعمق هاوية.
— «شيانغ ليو، إن لم أمت اليوم فأعد قبائل الماء إلى البحر الشرقي. وإن مت، فابحثوا لأنفسكم عن طريق.»
نهض جو مانغ بصعوبة ومسح الدم عن فمه. قال بصوت أجش: «غونغ غونغ! أتدري لماذا يقوم هذا الجبل هنا؟ بوجو هو العمود الفقري للسماء والأرض! إن انكسر مالت السماء إلى الشمال الغربي وغاصت الأرض في الجنوب الشرقي، وسيلحق البلاء بمئات الملايين من الأرواح!»
— «وما شأني!» زأر غونغ غونغ. «حين ضغطت السماء على قبائل الماء، من اهتم بموتنا وحياتنا؟ اليوم سأجعل السماء تسقط!»
— «لقد جننت! أتريد أن تدمر السماء والأرض غضباً لقبائل الماء؟»
— «جننت؟» ضحك غونغ غونغ، فهز ضحكه السماء. «صبرت مئة ألف سنة! واليوم سأريكم جنوني!»
وقف جو مانغ متعثراً. مسح الدم عن فمه، وضم يديه المرتجفتين في ختم.
— «السماء والأرض غامضتان صفراوان، والكون بدائي شاسع… يا محرّمات عمود السماء، انهضي!»
كان صوته أجش، لكنه حمل هيبة. وما إن انتهى حتى اهتز جبل بوجو. ظهرت على سطحه رموز ذهبية لا حصر لها، قديمة ملتوية كشراغيف، يسري فيها الضوء الذهبي حتى صارت حاجزاً من ذهب.
قال جو مانغ: «نقشها إمبراطور السماء بيده. لن تستطيع كسرها يا غونغ غونغ.»
ابتسم غونغ غونغ بسخرية: «إمبراطور السماء؟ وما هو حتى يُحسب شيئاً!»
مضى إلى الحاجز الذهبي. كان سمكه ثلاثة جانغ، والنور فيه يجري كأنه جدار نحاسي وسور حديدي.
أخذ نفساً عميقاً. خرجت التنانين التسعة من جسده والتفت حول ذراعه اليمنى. اشتعلت ذراعه بنور أزرق، كأنها عمود يحمل السماء.
— «الصدمة الرابعة!»
وجّه إله الماء لكمة إلى الحاجز.
دوّى انفجار!
تناثر النور الذهبي. صدر من ذراعه اليمنى صوت كسر حاد؛ تحطم العظم، واخترق العظم الجلد وبرز طرفه الأبيض المخيف. اندفع الدم الأزرق ورش على الحاجز الذهبي فصدر أزيز.
أنّ غونغ غونغ ولم يتراجع. ركل الأرض بساقه اليسرى، فانكسر ركبتها بدوي. جثا على ركبة واحدة، لكنه ظل يحدق في الحاجز.
ظهر فيه شق.
فزع جو مانغ: «أنت… أنت مجنون! إن صدمت ثانيةً ستموت!»
رفع غونغ غونغ رأسه وابتسم. سال الدم من زاوية فمه، واصطبغت أسنانه بالأزرق.
— «الموت؟ متى خاف غونغ غونغ الموت!»
نهض بصعوبة. انكسرت ساقه اليسرى، فوقف على واحدة. انكسرت ذراعه اليمنى، فجمع قوته في اليسرى.
أدركت التنانين التسعة نية سيدها، فأطلقت نحيباً حزيناً. التفّت حوله وسلمته آخر ما فيها من بخار الماء. كان الوهج الأزرق حول جسده يخبو ويشتعل، كشمعة باقية في الريح.
— «غونغ غونغ!» صرخ جو مانغ. «توقف! جراحك بالغة، والصدمة التالية تقتلك!»
— «قلت لك، حتى لو مت اليوم فسأكسر هذا الجبل!»
زأر غونغ غونغ، وكان صوته مبحوحاً. لمعت دمعة في عينيه، لكن غضبه أحرقها في لحظة.
ثبت في مكانه ورفع رأسه إلى بوجو. كان الجبل يخترق السحاب ويحمل السماء. مئة ألف عام وهو يضغط فوق رؤوس قبائل الماء، فلا ينهضون أبداً.
— «يا رجال قبائل الماء، هل ترون…»
همس، ووصل صوته إلى ألف لي.
— «اليوم، أنا غونغ غونغ، أفتح لكم الطريق!»
أغمض عينيه. تحولت التنانين التسعة إلى نور أزرق واندمجت في جسده. بدأ جسده يتشقق من الرأس إلى القدمين، وسرت الشقوق فيه كله. صار دمه الأزرق ضباب ماء يلفه.
— «الصدمة الأخيرة!»
فتح عينيه. لم يبق فيهما إلا زرقة صافية. تحول إلى شعاع أزرق، واندفع مباشرة نحو الحاجز الذهبي.
دوّى انفجار!
اصطدم الشعاع بالحاجز، فتشابك النور الذهبي والأزرق وانفجر ضوء بلغ عشرة آلاف جانغ.
تحطم الحاجز الذهبي.
وصارت محرّمات إمبراطور السماء التي نقشها بيده شظايا، تطير كفراشات ذهبية.
أما جسد غونغ غونغ فتحطم تماماً في تلك الصدمة. صار نقاط ضوء زرقاء لا تحصى، تنزل كالمطر. كانت النقاط آخر قطرة من دمه وآخر خيط من روحه.
لكن النور الأزرق لم يتبدد. تحولت بقايا روحه إلى نور أبيض، واصطدمت بجبل بوجو.
— «انكسر!»
انطلق زئير غاضب بين السماء والأرض.
اهتز جبل بوجو بعنف. انشق جسمه من الوسط، وشق يمتد من سفح الجبل إلى قمته. وفي الشق تشابك النور الذهبي والأزرق.
جثا جو مانغ على الأرض، يشاهد الجبل يميل ببطء. انزلقت دمعة من عينيه.
— «غونغ غونغ…»
تمتم جو مانغ.
انكسر جبل بوجو.
مال عمود السماء، وانشق قبة السماء. في الشمال الغربي انفتحت فجوة، واندفع ماء النهر السماوي منها إلى أسفل.
واهتزت الأرض، وبدأت أرض الجنوب الشرقي تهبط ببطء.
انتشر نور غونغ غونغ الأزرق في الجهات. طارت نقاطه إلى جنود قبائل الماء، وحين سقطت عليهم صارت ماء دافئاً.
ظل شيانغ ليو راكعاً، ورؤوسه التسعة تبكي معاً.
— «يا سيدي!»
صرخ باكياً، يملأ صوته الحزن.
لكن لم يعد في السماء والأرض جواب.
لم يبق إلا دوي انكسار جبل بوجو يتردد بلا انقطاع.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.