تصدّع.
تصدع جبل بوجو.
امتد من موضع الاصطدام إلى أعلى خيط رفيع ملتف، كحية أو دودة أو عرق دم. في البدء لم يصدر صوت. هبط مسحوق الحجر ناعماً كثلج دقيق. ثم صدر صوت: طقّة حادة، كعقدة خيزران تنكسر. ثم دوّى صوت ثانٍ مكتوم كرعد يتدحرج في باطن الأرض. ثم ثالث ورابع وأصوات لا تنتهي، كأن ألف طبل قُرعت معاً.
انتشرت الشقوق، وكل شق ينفث نفَساً أبيض؛ ذلك لُب الجبل يتفجر. أضاءت الرموز على الجدار الصخري ثم انطفأت. الأختام العتيقة كانت أمام الشقوق كورق رقيق.
— «توقف!» شق صوت جو مانغ الهواء.
نهض من الأنقاض، مغموراً بالدم. تدفقت في جسده قوة إله الخشب، ولفه نور أخضر. اندفع نحو الشق، وألصق كفيه بالجدار. نمت من راحتيه كروم خضراء تحاول خياطة الفجوة.
لكن الكروم انقطعت.
حاول ثانية. غرست جذور خضراء نفسها في الشقوق، فحطمها الارتجاج وتناثرت شظايا الحجر في ذراعيه. عض جو مانغ على أسنانه، وسال الدم من زاوية فمه.
— «أُغلِق!»
ضرب الجدار بكفّه، فأضاء ختم إله الخشب واندفع عمود نور أخضر إلى السماء. توقف الشق لحظة، ولمع في عينيه أمل.
لكن للحظة فقط.
عاد الشق يتمدد، كأنه يسخر من عبثه. تحطم الختم، وقُذف جو مانغ إلى كومة الحجارة. بصق دماً ونهض متعثراً؛ راحتاه قد تمزقتا حتى ظهر العظم الأبيض. كانت قوته تتسرب، وكل محاولة لإعادة الختم تستهلك أصل كيانه. لكنه لم يستطع التوقف.
حاول مرة أخرى، ودفع بكفيه معاً. أخذت الأرض تحت قدميه تهبط، وجبل بوجو يهتز. تطاير شعره في الريح وخفق ثوبه الأخضر.
— «بدمي أقدّم قربان تعويذة إله الخشب!»
عض طرف لسانه، ورش دمه على الجدار. لمع الدم، وظهرت تعاويذ خضراء ملتفة كالكروم. تباطأ امتداد الشق.
لكن من جوف الجبل صدر صوت أعظم، كوحش هائل يزأر. عرف جو مانغ أنه بكاء روح الجبل. بوجو، العمود الذي يحمل السماء؛ إن انكسر، سقطت السماء.
— «غونغ غونغ!» زأر إلى السماء. «أتدري ماذا فعلت؟»
لم يجبه أحد. لم يبق سوى تكسر الصخور.
لم تعد الشقوق خطوطاً مفردة، بل صارت مساحات كاملة تتحطم. تقشر الجدار كصفحات ورق، وكشف عن لب صخري أسود. جثا جو مانغ؛ تعطلت يداه واستنفدت قوته. لم يستطع إلا أن يشاهد الشقوق تتسلق، كحية أو برق أو عروق القدر: إلى منتصف الجبل، إلى قمته، إلى السحاب الذي لا يُرى آخره.
انكسر.
انكسر جبل بوجو.
لم ينشق ببطء ولم يمل ببطء، بل وقع ذلك في لحظة.
وصل الدوي إلى الأقاليم التسعة. رفع صيادو ساحل البحر الشرقي رؤوسهم فرأوا السماء ترتجف. وسجد برابرة الغرب في الأرض وسمعوا الأرض تبكي. توقفت ساحرة الحدود الجنوبية عن تعويذتها ونظرت شمالاً، والدموع تسيل من وجهها. وانتفض كون بنغ في بحر الشمال وحلّق، فحجبت جناحاه السماء والشمس.
مال نصف جبل بوجو الأعلى. ببطء شديد، كأن الجبل متردد. ثم تسارع.
دوّى انهيار!
سقط نصف الجبل إلى الشمال الغربي: على الأرض، وعلى الأحياء، وعلى أساس الموجودات كلها.
فقدت السماء دعامة الشمال الغربي. صارت كقطعة قماش نُزعت زاويتها، تميل ببطء. انزلق الشمس في القبة؛ لم يعد يشرق من الشرق ويغرب في الغرب، بل مضى إلى الشمال الغربي، ثم الشمال الغربي، ثم الشمال الغربي. وتبعه القمر، يجر ضوءه الفضي ذيلاً طويلاً في السماء المائلة. وبدأت النجوم تسقط كطيور مفزوعة، ذيولها الضوئية تشق الستار السماوي. رأى ناس نجوم الدب الأكبر السبعة تتفرق إلى سبع نجوم وحيدة تهوي شمالاً غربياً؛ ورأى آخرون درب التبانة كوشاح مقطوع، يلتوي في القبة المائلة.
وقف جو مانغ على الأنقاض، وسماء مائلة منعكسة في عينيه.
— «السماء… سقطت…» تمتم، فابتلعت الريح صوته.
انخفضت سماء الشمال الغربي أكثر فأكثر، حتى بدا أنها تُمس باليد. أما سماء الجنوب الشرقي فارتفعت حتى لا يُرى طرفها. ظلت الشمس والقمر معلقين عند أفق الشمال الغربي ولم يعودا يطلعان، والنجوم تمطر بلا انقطاع.
مالت السماء شمالاً غربياً، وانخسفت الأرض جنوباً شرقياً.
كانت الأرض تهبط. لا في موضع أو موضعين، بل مساحات وراء مساحات. مزقت قوة هائلة أرض الجنوب الشرقي وفتحت فيها أفواهًا عظيمة. ابتلعت الهاويات السوداء كل ما حولها. غاص جبل كامل أمام العيون، معه شجره ووحوشه وقراه. وانقلب نهر، فلم يعد يسير شرقاً بل غرباً وشمالاً غربياً إلى شقوق الأرض.
اندفع ماء البحر الشرقي إلى الداخل. أمواج هائلة كأكف العمالقة صفعت اليابسة. غرقت المدن الكبرى على الساحل في لحظة، وانهارت الأسوار كأكوام الرمل والبيوت كالقراطيس. لم يجد الناس وقتاً للصراخ قبل أن تبتلعهم الأمواج.
كانت النهاية في كل مكان.
— «أمي!» مزقت الريح صوت طفل.
ركضت أم تحتضن طفلها، وخلفها جبل ينهار. تدحرجت الصخور وحطمت كل شيء. لم تستطع أن تسبق انهيار الجبل. هبط صخر عظيم؛ وحين انقشع الغبار، كان جسد الأم يحمي طفلها وظهرها لحم ودم مهروسين. بكى الطفل في حضنها، ولم يسمعه أحد.
انهارت المدن. تشققت الأسوار كأنها من ورق، وسقطت البيوت كأكوام الرمل. أفاق الناس من نومهم وفروا حفاة؛ منهم من يحمل عجوزاً، ومنهم من يحمل طفلاً، ومنهم من يحتضن ذهباً وفضة، فتحولت الكنوز تحت البيوت المنهارة إلى متاع دفن.
اشتعلت الغابات. نزلت نار سماوية فأحرقت كل شيء، وصارت الأشجار مشاعل، وركضت الوحوش في بحر النار. اندفع نمر مشتعل إلى النهر، لكن ماء النهر كان قد غلى. صارع في الماء المغلي ثم غرق.
وزأر الطوفان. كان ماء البحر الشرقي قد غطى نصف الجنوب الشرقي. صارت الكائنات التي لا تحصى تتخبط في الماء: من تسلق شجرة جرفها الماء، ومن صعد سطح بيت كسره الموج، ومن تعلّق بخشبة طافية صدمتها صخرة.
وقف جو مانغ على أنقاض بوجو يشاهد ذلك. لم تعد في عينيه غضبة، بل فراغ.
— «غونغ غونغ… أترى؟» كان صوته أجش. لم يجبه أحد. فصرخ حتى مزق صوته الهواء: «أترى؟ أهذا ما أردت؟»
كانت السماء تميل، والأرض تهبط، والأحياء تموت، وكل شيء يُدمّر.
جثا جو مانغ. جف الدم في يديه واستنفدت قوته. وتذكر عين غونغ غونغ قبل الصدمة: لم تكن جنوناً ولا يأساً، بل عزماً، كأنه كان يعرف منذ وقت طويل ما سيحدث.
— «لماذا…؟» تمتم.
تدلت يده بلا قوة، ولمست أصابعه دفئاً خفيفاً. لم يكن دماً، بل نوراً.
خفض رأسه. في شق الأرض المتصدعة كان شيء يضيء، ضعيفاً كنور يرعة، لكنه يزداد قوة. كان سبعة ألوان: أحمر وبرتقالي وأصفر وأخضر وأزرق مخضر وأزرق وبنفسجي.
اندفع النور ذو الألوان السبعة من أعماق الأرض. لم يكن خيطاً أو خيطين، بل مئات وآلافاً، يخرج من كل فتحة وشق وجرح في الأرض كالماء من عين. ذُهل جو مانغ، ورآه يصعد إلى السماء لا مستقيماً، بل ملتفاً كتنين أو حية أو عروق دم.
اشتد النور، وغلت أعمدة الضوء الخارجة من الأرض. لم تكن واحدة، بل عشرات الآلاف، من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال؛ أخذت الأرض كلها تضيء.
تشابك النور السباعي في القبة كشبكة هائلة. رفع جو مانغ رأسه فرأى الأعمدة تصعد وتنتشر في السماء المائلة: ملأت شقوقها، وأسندت ميلها، وسدت ثقوبها.
— «هذا هو…» أخذت عيناه تضيئان.
تذكر أسطورة قديمة: حين انفتحت السماء والأرض، كان في الأعماق نفَس سباعي الألوان؛ عروق الأرض وأصل نمو الموجودات. ثم غاص في باطن الأرض ونام، حتى ظنه الناس أسطورة وحسب.
والآن فهم جو مانغ.
لم يصدم غونغ غونغ الجبل ليهدم السماء، بل ليكسر الأرض.
انكسر بوجو فمالت السماء شمالاً غربياً، لكن انخساف الجنوب الشرقي فتح ختم باطن الأرض. استيقظ نفَس عروق الأرض النائم منذ عشرة آلاف عام. خرج بألوانه السبعة، فأصلح السماء وسقى الأرض، وأعاد الأنهار الجافة إلى الجريان، وأعاد للأراضي البور نماءها، وللأحياء الميتة أملاً في بعث جديد.
ركع جو مانغ داخل النور، وانسابت دموعه.
— «غونغ غونغ… أنت…» ارتجف صوته.
فهم أخيراً. لم يكن غونغ غونغ مجنوناً، بل قرباناً: ضحى بحياته ليكسر الجبل، وروحه ليوقظ الأرض، ودمه ليفتح السماء.
رفع جو مانغ رأسه وضحك حتى سال الدمع من عينيه: «ما أعظمك يا ابن قبيلة تشو رونغ… ما أعظمك يا غونغ غونغ…»
نهض. التأمت يداه من جديد وامتلأت قوته. نظر إلى الأرض تحت قدميه: النور السباعي يمتد في جوفها كالعروق، من جبل بوجو المكسور إلى الجهات كلها، خيطاً وخيطين ثم مئات وآلافاً. كانت عروق الأرض تعيد بناء الأرض، وينشأ نظام جديد.
لم تعد السماء مستقيمة لأنها رُفعت، بل لأن نقاط دعم جديدة تكونت؛ أعمدة النور السباعي هي أعمدة السماء الجديدة. ولم تعد عروق الأرض تهبط لأنها مُلئت، بل لأن مسالك جديدة وصلت؛ خيوط النور السباعي هي عروق الأرض الجديدة. ولم تعد الحياة تموت لأن الكارثة انتهت، بل لأن حياة جديدة كانت تُخلق؛ النور السباعي هو ينبوع الحياة الجديد.
وقف جو مانغ فوق الأنقاض، والريح ترفع ثوبه. لم تعد عيناه فارغتين، بل امتلأتا بالأمل.
— «غونغ غونغ.» قال بهدوء. «فهمت. موتك ليس نهاية، بل بداية.»
مد يده فتلقى خيطاً من النور السباعي. دار في كفه، دافئاً مليئاً بالقوة. ابتسم جو مانغ.
عرف أن عصراً جديداً قد بدأ.
انكسر جبل بوجو. انهارت السماء وتشققت الأرض. لكن بعد الهدم تأتي الولادة الجديدة. اندفع النفَس ذو الألوان السبعة من باطن الأرض: هبة الأرض، ونشيد الحياة، والبداية الجديدة.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.