فتحت نُووا عينيها.
كانتا بلون الكهرمان، كعسل متجمد أو شمس مختومة. ظلتا مغمضتين عشرة آلاف عام — منذ أن عجنت البشر من الطين، ثم غاصت إلى أعمق الأرض وصارت كتلة نور دافئة، تترك نفسها تتلاشى في الزمن.
لكن الارتجاج أيقظها الآن.
كانت السماء تتشقق.
رفعت نُووا رأسها فرأت الصخور فوقها تتصدع، والحجارة الصغيرة تهوي كالمطر. كانت ملتفة في أعمق باطن الأرض، ومع ذلك أحست بانكسار القبة؛ لم يكن انهياراً عادياً، بل تحطم العمود الذي يحمل السماء.
جبل بوجو.
تذكرت الجبل. كان عموداً عظيماً صهره تشو رونغ، والد غونغ غونغ، بنار السماء وغرسه بين السماء والأرض في الشمال الغربي ليسند القبة كلها. كان عالياً حتى إن النسر لا يبلغ قمته ولا يلتف التنين حول وسطه. لكنه انكسر الآن.
حرّكت ذيلها، فاحتكت حراشفها بالصخر مصدرة حفيفاً. شعرت بالأرض ترتجف؛ لم يكن زلزالاً، بل بكاء الأرض. كان الانخساف في الجنوب الشرقي يتسع، وماء البحر ينقلب إلى الداخل ويغرق السهل الذي مشت عليه يوماً.
— «يا أطفالي…»
قالت أم الأرض بصوت خشن كاحتكاك الرمل والحجارة. تذكرت الصغار الذين شكلتهم من التراب الأصفر، وهم يرقصون حول النار، ويتلعثمون في الكلام وينادونها «أما». كيف صار أولئك الأطفال الآن؟
تذكرت ملمس أول إنسان صنعته: طين أصفر رطب لين تعجنه في راحتيها، صنعت له بعناية عينين وأنفاً وفماً. فتح الصغير عينيه ونظر إليها ثم ابتسم. كانت تلك أول ابتسامة في العالم، وفي تلك اللحظة صار قلبها بركة ماء. صنعت بعد ذلك كثيرين جداً، حتى آلمتها يداها ونفد التراب؛ فعضت إصبعها وقطرت دمها في الطين، فدبّت الحياة في الصغار.
أما الآن فما كانت تسمعه في الظلام إلا بكاءهم.
دفعت نُووا جسدها إلى أعلى، وجر ذيلها الأخدودي في الأرض. شعرت بضعف شديد؛ فقد أكل نوم عشرة آلاف عام جل قوتها. لكنها كان عليها أن تصعد وأن ترى أطفالها.
بدأت تتسلق إلى أعلى. كان طريق باطن الأرض طويلاً، فزحفت زمناً مديداً. بقيت على الجدران بصمات كفيها من يوم خلقت البشر، لا تزال دافئة كأنها طبعت بالأمس. لمست واحدة منها، فشعرت بدفئها عند أطراف أصابعها.
— «أما…»
ابتسمت أم الأرض ومضت تتسلق.
وأخيراً خرجت من باطن الأرض.
وقفت نُووا أمام جبل بوجو المنكسر، وانعكست في عينيها الكهرمانيتين أرض خراب.
كانت السماء مشقوقة. انفتح في الشمال الغربي فم عظيم كوعاء محطم، واندفعت منه رياح شر سوداء تحمل الرمل والحجر والشجر والبيوت. كانت تلك الرياح فضلات السماء والأرض عند البدء، فيها قوة تأكل كل شيء؛ حيث تمر يذبل النبات ويسود النهر.
رأت نُووا بشراً يركضون في البعيد. مزقت رياح الشر ثيابهم وأكلت جلودهم حتى ظهر العظم. كانوا يبكون وينادون، لكن أصواتهم ضاعت في الريح.
— «أما… أنقذينا…»
سقط طفل على الأرض، فرفعته رياح الشر وقذفته نحو شق السماء. مدّت نُووا يدها لتلحقه، لكن المسافة كانت بعيدة جداً، فلم تستطع إلا أن تشاهد الجسد الصغير يختفي في الفجوة.
أغمضت عينيها وأخذت نفساً عميقاً.
كان عليها أن ترقع السماء.
ولرقعها احتاجت إلى حجارة الألوان الخمسة. كانت خلاصة زمن انفتاح السماء والأرض: أزرق مخضر، وأحمر، وأصفر، وأبيض، وأسود، تقابل أنفاس العناصر الخمسة. وحده سائل الحجارة الخمس بعد صهره يستطيع أن يسد شق السماء.
فأين الحجارة؟
تذكرت نُووا أنها يوم خلقت البشر دفنت بذور الحجارة الخمس في أعماق الأرض. وبعد عشرة آلاف عام من النمو، لا بد أنها نضجت.
بدأت تنشد. كان صوتها خافتاً كدوي يخرج من باطن الأرض؛ إنها تعويذة الخلق ولغة تعلمتها من الفوضى. حمل كل مقطع قوة تهز السماء والأرض وعروقها الروحية.
وأجابت الأرض.
ارتفع نور أزرق مخضر من الشرق، وأحمر من الجنوب، وأصفر من الوسط، وأبيض من الغرب، وأسود من الشمال. اجتمعت الأنوار أمام نُووا وتكثفت إلى خمس صخور هائلة.
حجارة الألوان الخمسة.
مدت يدها تلمسها وأحست بالقوة في جوفها: الزرقاء المخضرة دافئة كاليشم، والحمراء حارة كالنار، والصفراء ثقيلة كالتراب، والبيضاء حادة كالمعدن، والسوداء عميقة كالماء.
— «يا أطفالي الطيبين…»
همست أم الأرض؛ كأنها تكلم الحجارة، وكأنها تكلم نفسها.
فتحت فمها ونفثت نار الخلق. كانت بيضاء بلا حرارة، لكنها تذيب كل شيء. لفّت الحجارة الخمس وبدأت تصهرها.
ذاب الحجر الأزرق المخضر وصار سائلاً بلونه، كنهر الربيع. وذاب الأحمر فصار سائلاً كالجمر المشتعل. وذاب الأصفر فصار كسائل طين الخريف. وذاب الأبيض فصار كسائل ثلج الشتاء. وذاب الأسود فصار كبحيرة في الليل العميق.
غلت السوائل الخمسة في النار وامتزجت ببطء، ثم صارت نوراً سائلاً ساطعاً، كأن الشمس سقطت في فرن صهر.
حملت نُووا كتلة النور بيديها وطارت بها إلى شق السماء. تموّج ذيلها الأفعواني في الهواء كحية تسبح في الماء، وانتشر شعرها في الريح كراية سوداء. وكانت عيناها تتقدان كمصباحين يضيئان السماء والأرض المظلمتين.
بلغت الشق، فرأته أضخم مما ظنت: يمتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي كنهر أسود يعبر السماء. حوافه مسننة كجرح عضه وحش، واندفعت منه رياح الشر برائحة كبريت لاذعة.
ضغطت كتلة النور التي في يديها على الشق. وفي اللحظة التي لامسته فيها صدر أزيز، كحديد محمى يوضع في الماء. بدأت حواف الشق تذوب وتصير سائلاً يختلط بالنور.
بدأت نُووا الترميم.
كانت بطيئة دقيقة. ضغطت كتلة النور بكفها حتى تغطي الشق بالتساوي، وسوت أطرافها بأصابعها حتى التحمت تماماً بالقبة. انحنت وألصقت جبهتها بالنور، لتدع دفأه يتغلغل في أعماق الشق.
كتلة، ثم ثانية، ثم ثالثة…
ملأت أم الأرض الشق كتلة بعد كتلة، وكل كتلة تستهلك نوراً كثيراً. بدأت ذراعاها تؤلمانها وعنقها يتيبس وذيلها يرتعش. لكنها لم تتوقف.
لم يكن مسموحاً لها أن تتوقف.
— «أما… أنقذينا…»
سمعت من يناديها، صوتاً ضعيفاً كشمعة تتمايل في الريح. عضت شفتيها وواصلت الترميم.
لا تدري كم مضى من الوقت، حتى مُلئ نصف الشق.
توقفت نُووا تلهث. كانت يدها ترتعش، وعيناها تخفتان، وجسدها يسخن — علامات نفاد القوة. لكنها وجب أن تتابع.
تذكرت الطفل الذي حملته رياح الشر. ذلك الجسد الصغير حين اختفى في الشق لم تستطع حتى أن تحتفظ ببكائه. عاشت دهوراً لا تُحصى وصنعت أطفالاً لا يُحصون، ولم تستطع إنقاذ واحد. كان العجز أثقل من تعب الجسد، كصخرة عظيمة فوق صدرها.
عضت أم الأرض شفتها وتذوقت الدم؛ كان حلواً كالطين الأصفر.
ومضى وقت آخر، ولم يبق من الشق إلا آخر جزء.
بدأ السواد يغشى عينيها وطنين يملأ أذنيها، وراح جسدها يصير شفافاً — نفدت قوتها وكانت تتبدد.
— «لم يبق إلا آخر كتلة…» قالت بصوت مبحوح يكاد لا يسمع.
وضعت آخر كتلة نور على الشق، وضغطتها بقوة وسوّت أطرافها، ثم ألصقت جبهتها بها.
رُقع شق السماء.
رفعت نُووا رأسها إلى سماء مكتملة، وظهرت ابتسامة على شفتيها. لكنها لم تدم سوى لحظة، لأنها رأت أن السماء ما زالت تميل.
كان بوجو عمود سماء الشمال الغربي. بعد انكساره فقدت القبة دعمها هناك. رقعت نُووا الشق بحجارة الألوان الخمسة، لكن هيكل السماء نفسه قد انكسر، وظل يميل. ما لم يقم عمود جديد، فستنشق السماء قريباً من جديد.
عبست نُووا وفكرت أين تجد عموداً جديداً. وتذكرت سلحفاة هائلة في أعماق البحر الشرقي: ظهرها يمتد ألف لي، وأطرافها طولها مئة جانغ. عاشت ثلاثين ألف عام، ورأت خلق السماء والأرض، والطوفان العظيم، وصعود القبائل وسقوطها.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.