كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/17 · يينغ لونغ حبيس الأرض — الفصل 5
الفصل السابق

17 · يينغ لونغ حبيس الأرض — الفصل 5

ما وراء الليل

الفصل التالي

لعل تلك السلحفاة تستطيع العون.

طارت نُووا إلى البحر الشرقي، سريعة كسهم. عبرت الجبال والأنهار والسهول، ورأت الأرض تبكي: الطوفان يغمر القرى والحقول والغابات، والبشر يتسلقون رؤوس الجبال وقمم الأشجار والأسطح، يرتعشون من البرد والخوف.

— «أما… نحن هنا…»

سمعت النداء واهناً كشمعة في الريح. عضت شفتيها وظلت تطير.

وأخيراً بلغت البحر الشرقي. كانت الأمواج تضطرب، تتلو الواحدة منها الأخرى كجبال متحركة. وبينها رأت جزيرة — لا، لم تكن جزيرة، بل ظهر السلحفاة العملاقة.

هبطت نُووا على ظهرها وطرقت درعها بيدها.

— «أيتها السلحفاة العجوز، استيقظي.»

كان صوتها خفيفاً، لكن السلحفاة أفاقت. رفعت رأساً هائلاً أكبر من جبل، وعيناها كبحيرتين تلمعان بنور قديم.

— «نُووا؟»

كان صوتها غليظاً كدوي يصعد من باطن الأرض. رمشت ونظرت إلى نُووا في حيرة. «لماذا جئتِ؟»

قرفصت نُووا أمام عينيها وقالت: «انكسر عمود السماء وتميل السماء. أحتاج أطرافك الأربعة لنقيم بها أعمدة سماء جديدة.»

صمتت السلحفاة طويلاً، ثم سألت: «إن أقمتِ الأعمدة الجديدة، هل أبقى حية؟»

خفضت نُووا رأسها ولم تجب.

كانت أم الأرض تعرف أن قطع الأطراف الأربعة سيقتل السلحفاة لا محالة؛ فهي عظمها وأوتارها ودمها، ومن دونها ليست إلا كومة لحم ستفسد سريعاً.

هاجم نُووا غثيان شديد، لا من الشفقة على السلحفاة بل من مقتها لنفسها. ماذا كانت تفعل؟ كانت تطلب من كائن عاش ثلاثين ألف عام أن يموت. كي تنقذ أطفالها، ستقتل طفلاً آخر. أهذه هي الأمومة: تبديل حياة طفل بحياة أطفال آخرين؟

كأن السلحفاة أدركت صمتها. رمشت ببطء، وانعكس وجه نُووا المعذب في عينيها كالبحيرتين.

— «عشت ثلاثين ألف عام.» كان صوتها هادئاً. «رأيت موتاً كثيراً. مات أبواي، ومات إخوتي وأخواتي، ومات أطفالي. بقيت وحدي كحجر ملقى في البحر.»

رفعت رأسها إلى السماء المائلة: «إن كانت أطرافي الأربعة تستطيع حمل هذه السماء، فخذيها. خير من أن أبقى حية هكذا في وحدتي.»

احمرت عينا نُووا. مدت يدها ولمست رأس السلحفاة.

— «شكراً.»

بدأت نُووا السحر. ضغطت كفيها على درع السلحفاة ورتلت تعاويذ قديمة من عهد الخلق، يحمل كل حرف منها قوة. أضاء جسد السلحفاة وبدأت أطرافها ترتخي مع طقطقة.

— «يؤلمني…» قالت السلحفاة بهدوء مثقل بالألم. ارتعش جسدها وقلّب ماء البحر فرفع أمواجاً هائلة.

عضت نُووا شفتيها وتابعت: «اصبري قليلاً، سينتهي الأمر سريعاً.»

انفصلت الرجل الأمامية الأولى وسقطت في البحر، فأثارت موجة بارتفاع ألف جانغ. وانفصلت الثانية، فأثارت أمواجاً بارتفاع عشرة آلاف جانغ. ثم انفصلت الرجل الخلفية الثالثة، فاندفع ماء البحر إلى الداخل. وانفصلت الرابعة، فانعكس الماء في البحر.

سقط جسم السلحفاة في البحر، وقذفت الموجة نُووا إلى السماء. ثبتت نفسها، وشاهدت السلحفاة تغوص ببطء إلى القاع، عيناها مفتوحتان تنظران إلى السماء وإليها.

— «أيتها العجوز، شكراً.»

ثم استدارت نُووا وحملت أرجل السلحفاة الأربع إلى الشمال الغربي.

غرست الرجل الأولى في الشمال الشرقي، فأقامت عمود السماء الأول. حين دخلت الأرض اهتزت الأرض بدوي، واهتزت السماء ثم استقرت. وذهبت إلى الجنوب الشرقي وغرست الثانية، فقام العمود الثاني؛ اندفع ماء البحر، واهتزت السماء ثم استقرت. وفي الجنوب الغربي غرست الثالثة، فاهتزت الجبال واستقرت السماء. وفي الشمال الغربي غرست الرابعة، فاهتزت السماء والأرض معاً، ثم — استقرت.

لم تعد السماء تميل.

تحركت الشمس والقمر والنجوم مصدرة صريراً، تبحث عن مدارات جديدة. انزاحت الشمس قليلاً إلى الشرق، والقمر إلى الغرب، وعادت النجوم تنتظم كقطع شطرنج أعيد ترتيبها.

تنفست نُووا براحة، لكن جسدها بدأ يصير شفافاً، وراح ذيلها الأفعواني يتحول إلى نقاط نور تتطاير. لكنها لم تستطع أن تسقط بعد.

فالطوفان ما زال يعيث.

حين انكسر بوجو انخسفت الأرض جنوباً شرقياً وانقلب ماء البحر. غطى الطوفان أكثر من نصف الأقاليم التسعة، واحتُبس بشر وحيوانات لا تُحصى في الماء يصارعون النجاة.

عضت نُووا شفتيها وطارت إلى غابة قصب.

هناك بدأت تنسج شبكة. كانت أصابعها رشيقة، تجدّل القصب عوداً بعد عود؛ ينحني ويشتبك ويلتف طائعاً بين يديها كحيّات.

— «أما… ماذا تصنعين؟»

رفعت رأسها فرأت طفلاً بين القصب، مبلل الثياب ووجهه مغطى بالطين والماء.

ابتسمت: «أنسج شبكة لأوقف الطوفان.»

مال الطفل برأسه: «هل ستوقفه؟»

— «ستوقفه.» قالت بصوت ثابت.

أنهت شبكة هائلة، ثم طارت فوق الطوفان وألقتها في الماء. انفتحت كيد عملاقة، تمسك الطين والأغصان وكل ما يمكن أن يسد الماء. بدأ الطين يترسب والأغصان تتراكم، فأبطأ الطوفان وهدأ حتى توقف.

ثم بدأت نُووا تمشط عروق الطاقة الروحية. فهي مسالك الأرض، كعروق دم الإنسان أو جذور الشجرة، توصل الطاقة إلى كل الجهات وتغذي الموجودات. لكن الارتجاج بعثرها كخصلة شعر معقدة. فسوّت عرقاً بعد آخر: شدت الملتوي، ووصلت المقطوع، وفتحت المسدود. صار جسدها أشفّ فأشف، وتسارعت نقاط النور المتطايرة منه.

— «أما…»

سمعت نداءً خفيفاً كالريح في القصب. رفعت رأسها فرأت في البعيد صغارها الذين صنعتهم من الطين، واقفين على الأرض التي انحسر عنها الماء، يلوحون لها ويبتسمون. ابتسمت نُووا وعادت إلى عروق الأرض.

وأخيراً انتهت.

وقفت تنظر إلى السماء والأرض: رُقعت السماء، وأقيمت الأعمدة، وتوقف الطوفان، واتصلت العروق. كل شيء يعاود التعافي والحياة.

تنفست براحة، ثم أحست أن جسدها خفيف.

صار ذيل أم الأرض نقاط نور تتطاير إلى الجهات. كانت مضيئة كالنجوم واليراعات وشمس بعد المطر، تذهب إلى السماء والأرض والجبال والأنهار.

خفضت نُووا رأسها فرأت جسدها يتبدد. وشعرت براحة لم تعرفها، كأنها نزعت حملاً وألقت متاعاً.

وتذكرت سؤالاً بعيداً: كم مشت وحدها فوق الأرض قبل أن تصنع أول إنسان؟ عشرة آلاف عام؟ مئة ألف؟ يومها لم يكن بين السماء والأرض إلا صوت الريح والصخر، لا ضحك ولا بكاء ولا نداء «أما». ثم جاء الأطفال وجاء الضجيج، وتعبت هي، فنامت في باطن الأرض عشرة آلاف عام. والآن لم تمض على صحوتها إلا يوم، وحان أن تمضي من جديد.

هكذا تكون الأم: تأتي حاملة تراباً، وتمضي صائرة نوراً.

— «أما…»

سمعت النداء خفيفاً كالريح في القصب. رفعت رأسها فرأت بشراً في البعيد يسجدون لها. امتلأت وجوههم بالدموع، لكن عيونهم مضيئة.

ابتسمت وقالت: «لا تبكوا. سأعود. وحين لا أكون هنا — أنتم أنا.»

كان صوتها خافتاً، لكن كل كلمة وقعت في الريح والتراب وقلوب كل الساجدين.

أغمضت نُووا عينيها، وتحول جسدها كله إلى نقاط نور وتبدد بين السماء والأرض.

لا أحد يعرف إلى أين ذهبت. قال قوم إنها صارت نجماً في السماء، وقال آخرون إنها صارت عروق الطاقة في باطن الأرض، وقال غيرهم إنها صارت أغنية في الريح.

لكن الجميع عرفوا شيئاً واحداً:

ستعود أم الأرض.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.