كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/17 · يينغ لونغ حبيس الأرض — الفصل 6
الفصل السابق

17 · يينغ لونغ حبيس الأرض — الفصل 6

ما وراء الليل

الفصل التالي

عمود مكسور. نصف قاعدة جبل، كسيف مكسور مغروس في السماء.

رشح من الشق نفَس أزرق مخضر، خيوطاً خيطاً حتى صار جدولاً. كان ماؤه يشع فيرى فيه برعم جديد بين شقوق الحجر. رأس البرعم شفاف، وعروق أوراقه كالعروق، وجذوره مغروسة في العظم المحطم. أخرج برعم زهرة من الصخر؛ بتلاته كالنار وقلبه كالنجوم. كان ضوءه ضعيفاً، لكنه لا ينقطع.

قفز ضفدع ذهبي ثلاثي الأرجل من عروق الأرض.

ثم ثانٍ وثالث، ثم جماعات. كانت نقوش ظهورها كرسوم العرافة، وعيونها مستديرة. رفعت رؤوسها ونقّت، فهز نقيقها الجهات. قفزت فوق الحصى، وفي كل أثر قدم نبت طحلب، حتى غطى الطحلب قاعدة العمود المنكسر. ومن موضع الشق كان النفَس الأزرق المخضر يتفجر كعين ماء. دارت الضفادع حول العين، وتبتلع أحياناً جرعة من النفَس، فتنتفخ بطونها وتشع بنور دافئ.

ركع جو مانغ في الخراب. انسكب شعره الأبيض فغطى نصف وجهه، وتمزق ثوبه الأخضر فكشف جراح كتفيه. ظلت يداه في وضعيتهما: اليسرى تحمل السماء واليمنى تلامس الأرض. تيبست مفاصله وانغرزت أظافره في شق الحجر، وتعلّق الطحلب بأطراف أصابعه كأنها أخرجت جذوراً.

لم يتحرك، كتمثال حجر. فتح شفتيه وقال بصوت أجش:

— «غونغ غونغ… خمسة آلاف عام. خمسة آلاف عام وأنا أحرس تحت هذا العمود. كل يوم أرى شروق الشمس من الشرق وغروبها في البحر الغربي، وأرى دوران النجوم وتبدل الفصول. ظننت أنني سأظل أحرس حتى تفنى السماء والأرض.

«يوم صدمت الجبل كنت على بعد ألف لي. لما سمعت الدوي اهتزت السماء والأرض. عدت بأقصى ما أملك، عبرت تسعة جبال وسبعة أنهار. ولما وصلت كان العمود قد انكسر، وكانت نصف السماء قد سقطت، والطوفان يتدفق من الشق.

«كنت ملقى بين الحجارة، مغموراً بالدم، وعيناك لا تزالان مفتوحتين تنظران إلى السماء. يومها أردت قتلك. أردت ذلك حقاً.

«هذا العمود أقامه الإله الأب وحمل السماء والأرض خمسة آلاف عام. بصدمة واحدة منك، كم من الكائنات دمرت؟ ابتلع الطوفان السهول، وأحرقت النار الجبال والغابات، وانتشر الوباء في الجهات. كنت تستحق الموت ألف مرة.

«لكن… نظرت إلى عينيك، فرأيت النور فيهما. كان يخبو قليلاً قليلاً. حركت شفتيك كأنك تريد قول شيء، لكن صوتك لم يخرج.

«فهمت. فهمتك يا غونغ غونغ. لم تكن تقبل تشو رونغ، ولا تشوان شيو، ولا هذا القدر السماوي. كنت ترى أنك تستحق الانتصار، وتسأل: بأي حق أخسر؟ نازعت طويلاً وحاربت طويلاً، ولم يبق في آخر الأمر إلا غضب واحد، فاندفعت بجسدك إلى هذا الجبل، بحياتك، مقابل دوي واحد.

«أكرهك وأجلك. أكرهك لأنك حطمت العمود، وأجلك لأنك كسرت السماء. تلك السماء… كان ينبغي أن تُكسر منذ زمن. قواعد الإله الأب ضغطت طويلاً، لكن صدمتك فتحت سماء وأرضاً جديدتين.

«مالت السماء وانخسفت الأرض وتغير مدار الشمس والقمر. لكن عروق الأرض حيت وفاضت في كل مكان، ونبت العشب الجديد من الخراب وتفتحت الزهور في الشقوق. تقفز الضفادع الذهبية، وتغني الطيور. أنت مت، والعالم حي.

«لكنني كنت أفضل… كنت أفضل أن تبقى حياً. حياً لتتشاجر معي، حياً لتقاتلني، حياً لتقف تحت العمود وتحرس معي. خمسة آلاف عام طويلة جداً. وحراسة المكان وحيداً شديدة البرودة. رحلت أنت، وتركتني وحدي: أحرس العمود المكسور، وهذا الخراب، وروحك، وعظمك.

«غونغ غونغ… هل تسمع؟ لم أعد أكرهك، ولا قليلاً. أنا فقط أفتقدك. أفتقدك كثيراً.»

نهض جو مانغ ببطء، وطين على ركبتيه وآثار دم على راحتيه. مضى إلى شق قاعدة العمود ومد يده إلى النفَس الأزرق المخضر. التف حول أطراف أصابعه، دافئاً كاليشم. أغمض حارس العمود عينيه وأحس بالنبض في أعماق الأرض: مرة، مرتين، ثلاثاً، كنبض قلب.

فتح عينيه وظهرت ابتسامة عند زاوية فمه.

— «إنه ما زال حياً. هذا العالم ما زال حياً. انكسر العمود، وسقطت السماء، وغمر الماء، وأحرقت النار. لكن الحياة باقية. سينبت العشب من جديد، وتتفتح الزهور من جديد، وتغني الطيور من جديد. سيبني البشر من جديد، وتقوم المدن من جديد، ويستمر الحضار. وهذا يكفي.»

استدار ونظر إلى الأفق. بين السحب المتقلبة ظهر ظل. كان شيانغ ليو راكعاً في البعيد، رؤوسه التسعة مرفوعة وحناجره التسعة تعوي. هز بكاؤه السماء وسالت دموعه؛ وحيث تسقط تنخفض الأرض وتتجمع برك، وفي البرك تسبح أسماك صغيرة شفافة.

وقف جند قبائل الماء الألفان في صفوف، دروعهم محطمة وسيوفهم مثلمة. واجهوا الخراب وركعوا جميعاً. تكلم شيانغ ليو، رأساً بعد رأس:

— «يا سيدنا… رحلت على عجل. لم توصِ بشيء ولم تترك كلمة. تبعناك وحاربنا معك ثلاثة آلاف عام، من بحر الشمال إلى البحر الجنوبي، ومن البحر الشرقي إلى البراري الغربية. فزنا في تسع وتسعين معركة وخسرنا واحدة. هذه الواحدة فقط، ثم رحلت.

«أتدري يا سيدنا؟ الإخوة ينتظرونك. ينتظرون أن تنهض وتقول: “واصلوا القتال”. لكنك مستلقٍ لا تتحرك. بكى الإخوة ثلاثة أيام وثلاث ليال، واجتمعت دموعهم نهراً، وفي النهر سمك يحمل روحك.

«ارقد بسلام يا سيدنا. لن نحارب ولن ننازع بعد اليوم. سيحرسك الإخوة، ويحرسون هذا الخراب، حتى يعلو العشب وتتفتح الزهور وتصير الأشجار غابة، وحتى تعود روحك إلى الأرض ويصير عظمك جبالاً وأنهاراً. عندها نصحبك ثانية لنرى هذا العالم مرة أخرى.»

انحنى جنود قبائل الماء، جباههم على الأرض، وظلوا طويلاً لا ينهضون.

بعد مئة عام قامت إلى جوار الخراب مدينة جديدة. بُني سورها من الحجارة المكسورة، وصارت قاعدة العمود مذبحاً. وُضعت عليه حجارة الألوان الخمسة؛ صار الناس يعبدون نُووا ويعبدون غونغ غونغ أيضاً.

في الحقول يمسك الفلاحون محاريثهم. تقلب السكة التراب، وفيه عظام محطمة. يلتقط الفلاح العظم ويضعه على حاجز الحقل ويتمتم: «ليباركنا الأجداد.»

والسوق صاخب: بائع جرار، وبائع قماش، وبائع حبوب. وكان بائع يعرض ضفادع ذهبية ثلاثية الأرجل، خضراء كاليشم تدور عيونها. يسأله مشترٍ عن الثمن، فيرفع ثلاثة أصابع: «ثلاث قطع نقدية حجرية. تحفظ أمن البيت وتحمي المحصول ليكثر.»

في كهف عميق بين الجبال جلس شيخ على حصيرة. أمامه صدفة سلحفاة ينقش فيها بسكين. كانت يداه نحيلتين يابستين وأطراف أصابعه ترتعش، أما نصل السكين فثابت.

نقش: «جبل بوجو، عمود السماء. نازع غونغ غونغ تشوان شيو على الملك، فغضب وصدم جبل بوجو. انكسر عمود السماء وانقطعت أوتاد الأرض. مالت السماء شمالاً غربياً، لذلك تحول الشمس والقمر والنجوم إليه. ولم تمتلئ الأرض جنوباً شرقياً، لذلك تتجه إليها المياه والغبار.

«صهرت نُووا حجارة الألوان الخمسة لترقع السماء، وقطعت أرجل السلحفاة العظيمة لتقيم الأقطار الأربعة، وقتلت التنين الأسود لتنقذ إقليم جي، وجمعت رماد القصب لتوقف الماء الطاغي. عادت السماء مستوية والأرض معتدلة، لكن جبل بوجو بقي خراباً إلى الأبد.»

جمع الشيخ الصدفة ووضعها في صندوق خشبي فيه عشرات الصدف. أغلق الصندوق ومرر أصابعه على عروقه وقال: «على أهل الأزمنة التالية أن يعرفوا هذا: أن السماء والأرض شهدتا تغيراً عظيماً، وأن الأحياء شهدت محنة كبرى، وأن الأبطال عرفوا حزناً عظيماً، وأن العالم عرف محبة عظيمة.»

نهض إلى باب الكهف. كانت الشمس تغرب فتصبغ الأفق. في الشمال الغربي هبطت ببطء، ومد ضوؤها المائل ظلال كل شيء. وفي الجنوب الشرقي صعد القمر في صمت، وفرش نوره البارد فوق الأرض. أغمض الشيخ عينيه وأحس بعروق الأرض في العمق تجري كالأوعية والعصب، تحمل النفَس وتغذي الموجودات. فتح عينيه ونظر إلى السماء: تبدلت مدارات النجوم، وتغير اتجاه الشمس والقمر. ترسخ نظام جديد، وصار القديم أسطورة.

فوق الخراب نما العشب وحلقت طيور الربيع. امتلأت قاعدة العمود المكسور بالكروم، أزهرت وأثمرت، وسقطت الثمار فأنبتت كرماً جديداً. قفزت الضفادع الذهبية في العشب وغنت الطيور على الأغصان، ورقص الفراش وطنّ النحل. خرج جدول من الشق، اجتمع نهراً صغيراً، ومضى إلى البعيد يسقي الحقول.

في الحقول كان الأرز ذهبياً. حصد الفلاحون، وضحكاتهم عالية. وفي القرى وُلد مولود جديد. حملته القابلة وخرجت من البيت، ووجهه إلى الشمس الغاربة وهو يبكي بلا توقف. ربّتت عليه برفق وقالت: «لا تبك، لا تبك. هذه بشارة طيبة. الشمس تغرب والقمر يطلع، والسماء والأرض تدوران طبيعياً؛ لقد جئت في الوقت الصحيح.»

وقف جو مانغ على قمة الجبل، شعره الأبيض في الريح وثوبه الأخضر يخفق. نظر إلى الشمس، والقمر، والنجوم، والحقول، والأنهار، والقرى، والرضيع، والعجوز، والعاملين.

— «غونغ غونغ، أترى؟ هذا العالم يعيش حسناً. العشب ينمو، والزهور تتفتح، والبشر يولدون. جيلاً بعد جيل، لا ينقطعون. لم تذهب صدمتك سدى.»

ثم نزل جو مانغ من القمة.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.