مرت خمسون سنة أو مئة أو ثلاثمئة؛ لم يكن الناس يعدّون الأعوام، بل الربيعات وأزهار الخوخ والأطفال الذين كبروا. نشأت ثلاث قرى عند أقدام التلال. قال بعضهم إنها آثار آلهة القدماء أو فيضان أو نجوم ساقطة، ولم يعرف أحد أنها ذيول الثعلبة الثلاثة. كانوا يزرعون الدخن والذرة والخضر، وتفيض من الجبل طاقة قليلة فتخصب الحقول ويحلو ماء الآبار. أقاموا مزاراً عند القرية وثبتوا فيه ثعلباً أبيض بستة ذيول، لا هيئة بشرية؛ قال الشيوخ: افعلوا ما ورثناه.
التأمت جروح ثعلبة تشينغ تشيو، وبقيت الندوب وثلاثة جذور عارية تخفيها بين ذيولها الستة. أحست بها فارغة باردة عند المشي والدوران وهبوب الريح، ثم ألفت ذلك. في كل بدر يهتز الجبل اهتزازاً خفيفاً، ويطن العِرق وتضيء التلال الثلاث، فتصرخ فوق القمة. يقول القرويون: «اسمعوا، إله الجبل يغني»، ويحسبون بكاءها غناءً. أما هي فتذكر شياومي: لعله صار تراباً أو غذاء لشجرة خوخ أو حياة أخرى في الدوران، لكنها لم تنس دفء حضنه ونداءه وقبلته.
جاء زوار من جبال وبلدان بعيدة؛ الموقرون يسجدون أسفل الجبل ويرون أحياناً بياضاً يخطف في الوسط، والطامعون يدورون في الضباب يوماً وليلة ولا يرون شيئاً. وجاء بعد أجيال فتى من نسل لي حاملاً سلة أعشاب، فرأى الثعلبة عند الجدول، فسجد ثلاثاً وقال: «أسلافي مدينون لك بثلاثة ذيول. ديننا لا ننساه جيلاً بعد جيل». اختفت ولم تجبه، لكنه حكى القصة لأبنائه: «ثعلبة تشينغ تشيو أنقذت أسلافنا؛ حياتنا اشتريت بذيولها، فلا تصيدوا الثعالب أبداً».
وفي بدر آخر، لحست الثعلبة ثلاث حفر في الصخر صنعتها جذور ذيولها؛ كانت باردة لا تجيب. صاحت، فانتشر الصوت عبر الغابة والقرى والحقول. سأل طفل أمه: «ما هذا؟» فابتسمت: «إنه جبل تشينغ تشيو يتنفس، نام، إنه يغني لك». وفي الحلم رأى الثعلبة البيضاء بستة ذيول، وفي ندائها حزن وذكرى ولا ندم وحنان كائن قديم.
وتذكر تشينغ تشيو ذاتها حين كانت صغيرة بذيل واحد كزغب الهندباء، يوم لم يكن للجبل اسمه. كانت تركض تحت القمر وتتبعها تسعة ظلال تنادي: «آ جيو، تمهلي». وحين تعلّمت العد، فخرت بذيولها التسعة كالمروحة والزهرة وذيل الطاووس، وقالت الظلال إنها أجمل من ذيل العنقاء. تلك الظلال هي ماضيها ومستقبلها وحيواتها كلها؛ لم تغب واحدة في عشرة آلاف عام. ثم صاروا ينادونها «تشينغ تشيو» ويحملون أخبار الحروب والفيضان والبراكين، فلم تعد تهتم: المنتصر يخسر، والماء يرتفع وينخفض، والبركان ينام أطول مما يثور. ظنت أنها صارت حجراً لا يتألم ولا يبكي، لكن قلبها أخطأ نبضة حين عانقها شياومي؛ اختارت ذيولها الثلاثة الرحيل قبل أن تختار هي، وفهمت الطفل قبلها.
سألتها الظلال: «لو عاد الزمن، أكنت تقطعينها؟» فقالت بلا تردد: «أقطع». ثلاثة أيام لطفل مقابل ثلاثة ذيول، ما قيمتها في عشرة آلاف سنة؟ قطرة في بحر وحبة رمل ولمحة نجم، لكنها قطرة حلوة ورمل مضيء وفيها من ناداها «أمي». تكفي لتخفف وحدة عمر كامل.
وفي قرية السفح كبر طفل آخر ومنعته أمه من الجبل: «فيه خالدون، لا تزعجهم؛ التقط الثمر عند السفح والجراد في الحقل». سألها عن الإله، فقالت إنه ثعلب أبيض بستة ذيول، كانت تسعة فصارت ستة، وثلاثة صارت تلال الخوخ. تسلل ذات يوم واتبع الجدول، متحملاً الحجارة والشوك والبعوض والجوع، وهو يتخيل عينين ذهبيتين. عند الغسق وصل بستان الخوخ وشجرته العتيقة، فرأى الثعلبة ذات الذيول الستة. لم يخف؛ كانت أجمل من كل ما وصفته أمه.
قال له صوت في قلبه: «جئت. عليك أن تعود، سيقلق عليك أمك». قال إنه مشى طويلاً ليجدها. فأخبرته أنها رأته يشرب ثلاث جرعات من الجدول، ويجلس تحت شجرة مقدار عود بخور، ويعض خوخة خضراء فيبصقها، ويخدش غصن ذراعه اليمنى. لم تجب حين سألها كيف تعرف؛ قالت فقط: «ارجع. في الجبل ضباب ووحوش، وأنت ترتجف». اعترف أنه متعب لا خائف. نظرت إليه طويلاً ثم سارت واختفت بين الزهر، لكنه سمع في قلبه: «عش طويلاً. عش جيداً… عن شخصٍ ما».
عاد في ضوء القمر، فاحتضنته أمه باكية وضربته ثم بكت. قال: «رأيت الخالد: أبيض، بستة ذيول وعينين ذهبيتين كأنهما مصنوعتان من القمر». سألته ما قال، فأجاب: «طلب مني أن أعيش جيداً»، وكتم «عن شخص ما». وبعد أعوام صار شيخاً يحكي للأطفال ما رأى. نظر إلى القمم التسع وقال في قلبه: عشت جيداً وطويلاً عن ذلك الشخص الذي لا أعرفه، فهل اطمأننت؟ لم تجبه الجبال ولا الريح ولا القمر، لكنه أحس العينين الذهبيتين ترمشان في قلبه.
كانت الثعلبة قد راقبته يومه كله، لأنه يشبه شياومي بعينين عنيدتين لا تخافان. لم ترد أن تتكلم أو تذكر أحداً، لكنها قالت: «عن شخص ما». ذلك الشخص هو شياومي، طفلها الوحيد الذي ناداها أمي، صار تراباً وزهر خوخ وريحاً وماءً وتلالاً، لكنه لم يغب عنها؛ في جذور ذيولها وفي قلبها. قالت لظلالها: «هو هنا، في كل زاوية من تشينغ تشيو». قالت الظلال: «ونحن هنا، دائماً معك». التفتت فرأت الظلال التسعة مصطفة تحت القمر، ماضيها ومستقبلها وذاتها التي لن تفقدها. خرخرت كقط، لكنها ثعلبة عاشت طويلاً، نمت تسعة ذيول وفقدت ثلاثة، وتنادي القمر في كل ليلة وحيدة.
عرفت أعشاب الجبل وحجارته وعِرقه أن ذلك النداء ليس خوفاً بل تجاوباً؛ كأن يداً واحدة تضرب أوتار كل روح وحيدة. قال الشيوخ: «الجبل يغني»، وقال الأطفال: «الثعلب يبكي»، وقال الشباب: «هو الريح في الكهوف». وكلهم صادقون وغير صادقين تماماً؛ إنه صوت الجبل والثعلب والريح ودمهم وعظمهم وذاكرة أجيال عاشوا تحت حماية الجبل. لذلك يحلمون في البدر بثعلب أبيض، عينين ذهبيتين وذيول ستة، وصوت يقول: «أنتم لي، اشتريتكم بثلاثة ذيول. عيشوا جيداً، عن شخص ما». يستيقظون ووسائدهم مبللة، ولا يهم لمن الدموع؛ المهم أنهم أحياء، يزرعون ويصطادون ويتداوون وينجبون، ويتناقلون ألم الذيل المقطوع ودفء الخلاص.
وفي ربيع جديد، غطت أزهار الخوخ تلال الذيول بأوفى بياض، وانسابت بتلاتها في الجدول إلى النساء الغاسلات والأطفال الصائدين. قال طفل: «الماء حلو يا أمي»، فأجابته: «ماء تشينغ تشيو حلو دائماً». سأل عن أكل بتلة الخوخ، فقالت: «تؤكل؛ كان طفل يطبخ بها عصيدة الخوخ فعاش طويلاً». لم تعرف اسمه ولا إن كان صبياً أو بنتاً؛ لعلّه شياومي، ولعلّ تلك العصيدة ثمن ثلاثة ذيول. سمعت الثعلبة «عصيدة الخوخ» و«الطفل الذي عاش طويلاً»، فتحرك فمها كابتسامة. في الأيام الثلاثة التي بقي فيها شياومي معها، حملت له الخوخ بفمها والماء بقائمتها، ودفأته بذيلها وربّتت على ظهره إذا شرق؛ كانت أفضل ثلاثة أيام في عشرة آلاف سنة، ثلاثة أيام لا تعادلها ذيولها التسعة كلها. لذلك قطعت، راضية بلا ندم.
وفي ليلة بدر بعد أعوام، صعدت فتاة في السابعة بضفيرتين وثوب مبطن أحمر. كانت من نسل شياومي ولي والطفل الذي رأى الثعلبة، ولم تعرف الحكايات، لكنها حلمت بثعلب أبيض بستة ذيول يرمش لها. سلكت طريق أسلافها: ماء الجدول والشوك والشجرة وبستان الخوخ، حتى شجرة الخوخ العتيقة. كانت الثعلبة تنتظرها. سألت الفتاة: «أتعرفينني؟» فمرّت في عينَيها ألف سنة، وليل قطع الذيول، وشياومي ولي والصبي وعصيدة الخوخ وكل النداءات والدموع. قالت في قلب الفتاة: «أعرف كل من فيك». قالت الفتاة: «كلهم؟ أتعرفين كثيرين؟» فأجابت: «ليس كثيراً؛ يكفي أن يتحول ذيل واحد إلى جبل».
قالت الفتاة: «لماذا دعوتني؟» قالت الثعلبة: «لم أدعك، كنت أفكر فيك فجئت». ضحكت الفتاة وسألت عمّا تفكر، فقالت: «أن تعيشي جيداً، وألا تمرضي، وألا تصعدي الجبل مبكراً، وألا تطبخي عصيدة الخوخ حلوة أكثر مما ينبغي». ضحكت الفتاة، واهتزت الذيول الستة كأصابع بيضاء تقول إنها تعرف كل شيء. جلسا جنباً إلى جنب تحت القمر. سألتها الفتاة فجأة: «هل أنت وحيدة؟» لم يسألها أحد ذلك قط؛ طلبوا منها أو خافوها أو وقروها أو أرادوا ذيولها. قالت: «أحياناً. لا أكون وحيدة حين يكتمل القمر، أو يولد طفل في السفح، أو يزهر الخوخ. وفي غير ذلك… قليلاً فقط». لمست الفتاة رأسها بيد صغيرة دافئة كيد شياومي: «سأفكر فيك كل بدر، فلن تكوني وحيدة». لمع في عينيها هذه المرة دمع، واستسلمت مرة ثالثة لطفل بشري: «حسناً»؛ كلمة خفيفة كبتلة وثقيلة كقمم الجبل التسع.
وفي كل بدر قالت الفتاة في قلبها: «يا ثعلبة، أفكر فيك»، وقالتها شهراً فعاماً حتى كبرت وتزوجت وأنجبت وهرمت ولم تعد قادرة على الكلام. سألتها ابنتها ماذا تقول، فضحكت العجوز: «أتحدث إلى ثعلب أبيض بستة ذيول وعينين ذهبيتين». ظنوها خرفت، لكنها كانت تعرف أن الثعلبة تفكر فيها وفي أسلافها وكل من عاش وأحب وحُمي بذيولها. تفتحت أزهار تشينغ تشيو وذبلت مراراً؛ ظل الفرو أبيض والعيون ذهبية والذيل ستة، لكن جسدها صار خفيفاً كالدخان. وحين تستقر بتلة على أنفها لا تنفضها، بل تغمض عينيها قليلاً: جميل أن يستقر شيء عليك، ولو بتلة، ولو لحظة.
تعلمت في ألف سنة أن الحب ليس امتلاكاً، بل تذكّر: أن ترضى بالانتظار في مكان لبتلة أو لإنسان، ألف سنة أو أكثر. واستمر النهر الفضي في أعماق العِرق، يحمل دم الثعلبة وألم قطع الذيل ودفء الخلاص ونداءً وأغنية بلا كلمات، من الماضي إلى المستقبل ومن قلب الثعلب إلى أقاصي السماء والأرض. في كل قطرة ماء وحجر وزهرة خوخ ذاكرة؛ لأن كل ما في تشينغ تشيو ذو روح، وهو أيضاً ذيل ثعلب قديم وحبّه، أقدم حكايات الدنيا وأحزنها وألطفها.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.