اسمي آ يي، وأنا صياد. في ذلك اليوم تبعت أيلَ مسكٍ جريحاً إلى سلسلة جبلية لم تطأها قدماي قط. كانت صخورها ناتئة، وأشجارها ملتوية، وفيها وحشة لا اسم لها. قلت وأنا أشد قبضتي على قوسي الخشبي: «ما أقفر هذا الجبل!» كانت التربة متشققة والعشب اليابس يرتعش في الريح؛ جفّت مياهه، وتحولت حتى الجداول التي لا تنضب إلى أخاديد يابسة.
ثم سمعت صوتاً خافتاً كصوت رضيع يبكي. توقفت وأصغيت؛ أعرف الأصوات، فهو ليس طائراً ولا وحشاً، بل يكاد يكون صوت إنسان. شققت شوكاً أصفر ذابلاً، فوجدت كهفاً صغيراً تحجبه الكروم. حذرتني غريزة الصياد، لكن فضولي جعلني أنحني وأدخل. كان الظلام كثيفاً ورائحة الدم في الهواء، والطين تحت قدمي زلقاً. وبعد عشرات الخطوات اتسع المكان فجأة، فرأيت مخلوقة لها بدن شاة ووجه إنسان، وعيناها تحت إبطيها، وأنيابها كأنياب النمر، وكفوفها بشرية. كان بطنها منتفخاً حتى خلت أنه سينفجر.
قلت دون تفكير: «أأنتِ تلدين؟» فأومأت الوحش الأم. كان صوتها بكاء طفل ممزوجاً بقدم عتيق: «أتيت في وقت مناسب يا صياد. لست أريد أكلك؛ فقدت قوتي. عِرق الروح في هذا الجبل يكاد ينضب.» سألتها عن ذلك العرق، فقالت إن طاقة جبل غوو كانت تطعم كل شيء، وإن جنينها لا يحيا إلا بها. عرّفتها بنفسي، فقالت: «آ يي، أيمكنك أن تساعدني؟» رفضت: «ولماذا أساعد وحشاً يأكل الناس؟» قالت إنها فعلت ذلك لتبقى حية، إذ قل الطعام وضعفت الطاقة، وأنها الآن لا تطلب إلا أن يولد صغيرها آمناً.
أمسكت يدي بمخلب بارد كالجليد وقالت: «سيكون طفلي مختلفاً؛ منذ مولده سيمتص آخر طاقة في الجبل، وسيظل جائعاً أبداً.» سألتها ماذا يأكل، فقالت: «كل شيء: الجبل والنهر والشجر والإنسان، وكل ما في العالم.» خفت أن يدمر الدنيا، فقالت: «ولهذا ينبغي أن توقفه. ابحث عن أصل جوعه؛ إنه ليس فيه، بل في…» ولم تكمل. اهتز بطنها بعنف، وتشنج جسدها، وانشق جلدها، وخرج منه مولود صغير كحمل، له وجه إنسان وعينان تحت الإبطين.
بكى كرضيع، ثم التفت إلى أمه. وفي عينيه فضول وجوع. فتح فمه وأخذ يلتهم جسدها لقمة لقمة، وهي لا تقاوم؛ كان في عينيها راحة. همست: «آ يي… تذكّر… اسمه تاو تيه…» ثم أغمضت عينيها. ابتلعها الصغير كلها، وكبر جسده قليلاً، ثم سألني بصوت لين مرعب: «من أنت؟» قلت: «آ يي.» فقال: «أنا جائع.» ذكرته أنه أكل أمه، فقال: «لا يكفي، لا يكفي أبداً.»
قال إن رائحتي شهية، لكنه لن يأكلني الآن، بل يريدني أن أتبعَه، لأنني الوحيد الذي يعرف اسمه ولا يهرب منه. قبلت بشرط أن يخبرني لماذا لا يشبع. فكر طويلاً ثم وافق. خرجنا عند الغسق، والجبل أشد خراباً في الضوء الباقي. قال إنه يريد طعاماً، ثم شعر بشيء تحت الأرض يناديه. لم يلبث أن ارتجف وبطنه يتوهج كأن ناراً تحرقه؛ صرخ صرخة رضيع هزّت الجبل، ثم اختفى.
تبعته فرأيته يبتلع شجرة كاملة، جذورها وأغصانها، ثم شجرة بعد أخرى، ويقول: «لذيذ!» صرخت أن يتوقف، فقال إنه لا يمتلئ. وصل سكان الجبل مذعورين، فأخبرتهم أن يرحلوا. قال شيخ إن الأسطورة تذكر أمّاً في جبل غوو تلد تاو تيه. وعدتهم أن أبحث عن وسيلة لإيقافه.
قلت له: «إن أكلت هكذا فلن تشبع أبداً. لعل أصل جوعك متصل بعرق الروح تحت الأرض.» وافق أن يبحث معي، على أن يعود إلى الأكل إن لم نجد شيئاً. في الليل حفر بمخالبه حفرة عميقة، ونزل وحده. وبعد زمن سمعنا دويّاً من الجوف، ثم قال إنه رأى نهراً مضيئاً تفوح منه رائحة شهية. حذرته ألا يلتهمه؛ لعلّه عرق الجبل نفسه. صعد وقد كبح نفسه، وقال إن النهر كأفاعٍ صغيرة من نور تتحرك وفيه قوة هائلة.
سألني ببراءة موجعة: «ألم يكن ينبغي أن أولد؟» لم أعرف جواباً، فقلت: «لقد وُلدت؛ ابحث عن جوابك.» جلسنا تلك الليلة فوق القمة ننظر إلى النجوم. سألني إن كنت أخافه؛ قلت نعم. وسألني لماذا لا أهرب؛ قلت لأنني وعدت أمه. ضحك كرضيع يضحك، وقال: «آ يي، رافقني إلى الجواب.» قلت: «أرافقك.» وهكذا بدأنا الرحلة، وفاءً لوصيتها ووعد الصياد.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.